حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 441
تسمع من خلفك من المؤمنين. وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (110) بين الجهر والمخافتة سبيلا وسطا فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب. روي أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان يخفت ويقول: أنا أناجي ربي وقد علم حاجتي. وعمر رضي اللّه عنه كان يجهر ويقول:
اطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما نزلت أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا. وقيل: معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلا بالإخفات نهارا والجهر ليلا.
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ في الألوهية وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا واضطرارا وما يعاونه ويقويه. ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد لأنه كامل الذات المتفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله:
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه عليه الصلاة والسّلام كان يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. قوله: (وفيه تنبيه) وجه التنبيه أنه تعالى أمره عليه الصلاة والسّلام بأن يخص الحمد والثناء بالإله المنزه عن جميع صفات النقصان المنفرد بالملك المنعم على الإطلاق. ثم أمره بأن يصفه بصفة الكبرياء المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه ويعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه، ويعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات العظمة والجلال والعز والكمال، وأن كل واحدة من تلك الصفات أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغيير والزوال، وأن كل واحدة منها متعلقة بما لا نهاية له من التعلقات، ويعتقد أن كل ما يجري في ملكه وسلطانه واقع بقضائه وقدره ومشيئته. وقالت المعتزلة: إنّا نكبر اللّه تعالى ونعظمه عن أن يكون فاعلا لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزه والتقدس عنه وعن إرادتها. قال واحد من رؤساء المعتزلة يقال له القاضي عبد الجبار الهمداني حيث رأى الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء ويعتقد أنه ملك مطاع وله الأمر والنهي والرفع والخفض ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه.
ثم إنه تعالى أكد التكبير المأمور به فقال: تَكْبِيرًا أي أقصى ما يقدر عليه الإنسان الضعيف بأن يجتهد ويسعى في تعظيمه وتقديسه حسبما يسعه قدرته، ثم يعترف بأن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال اللّه تعالى، ولسانه لا يفي بشكره وثنائه وجوارحه، وأعضاءه لا تفي بخدمته فيكبر اللّه تعالى على قدر طاقته فإنه جل عن أن يكبره تكبيرا يليق بعزه ومجده.