حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 447
إخراجها من أفواههم والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها. وقيل: صفة محذوف هو المخصوص بالذم لأن كبر ههنا بمعنى بئس وقرئ «كبرت» بالسكون مع الإشمام. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ قاتلها عَلى آثارِهِمْ إذا ولوا عن الإيمان شبهه لما يداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم. وقرئ باخع نفسك على الإضافة. إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ بهذا القرآن أَسَفًا (6) للتأسف عليهم أو متأسفا عليهم والأسف فرط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجوز أن يكون المراد أن تلك المقالة كبرت كذبا أو جهلا أو افتراء. فلما أضمر فاعل كَبُرَتْ فيه حصل الإبهام واحتاج إلى رفعه بخلاف ما إذا قرئ برفع «الكلمة» على الفاعلية فإنه لا يضمر فيه شيء فيكون حينئذ على طريق قولك: عظم فلان وعلى تقدير الإضمار يكون ذلك راجعا إلى مقالتهم المفهومة من قوله تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا أي كبرت مقالتهم تلك كلمة. ومعنى الكلام التعجب أي ما أكبرها كلمة. وقوله: تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة الكلمة تؤذن باستعظامها لأن بعض ما يخطر بالبال لا يجترئ الإنسان على إظهاره باللفظ. قوله: (وقيل صفة محذوف) يعني قيل: إن كبرت بمعنى «بئس» وفاعله مضمر مفسر بالنكرة المنصوبة بعده على التمييز كما في قولك: بئس رجلا، والمخصوص الذم محذوف تقديره: كبرت كلمة الخارجة من أفواههم. وقرئ «كبرت» بسكون الباء وإشمام الضم وهي لغة تميم. قوله: (قاتلها) البخع الإهلاك يقال: بخع الرجل نفسه بخعا وبخوعا أي أهلكها على وجد. والمقصود من الآية تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى: لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذرا وبشيرا، وأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه. والفاء في قوله: فَلَعَلَّكَ جواب الشرط وهو قوله: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا قدم عليه وحقه التأخير. وقال الجمهور: جواب الشرط محذوف لدلالة قوله: فَلَعَلَّكَ. قيل:
كلمة «لعل» هنا للإشفاق الذي يقصد به التسلي والحث على ترك التحزن والتأسف ثم قيل:
الأسف هو النهاية في الغضب كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] قال أهل التأويل: المعنى فلما أغضبونا. وقيل: الأسف هو النهاية في الحزن كقوله تعالى:
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] أي يا حزنا. فإنه عليه الصلاة والسّلام كادت نفسه الكريمة تهلك حزنا عليهم وإشفاقا من أن تتلف أنفسهم في النار بتركهم الإيمان. وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن يقاتل الكفرة للقتل والإتلاف وإنما يقاتلهم ليسلموا ويتخلصوا من الهلاك الأيدي فإن من كان باخع نفسه إشفاقا عليهم من الهلاك كيف يقاتلهم للإهلاك. وقوله تعالى: عَلى آثارِهِمْ متعلق بقوله: باخِعٌ أي باخع نفسك من بعد هلاكهم حال بقاء آثارهم وعلاماتهم وعدم اندراسها بالكلية فإنه يصح أن يقال: مات الثاني