حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 451
والرزق والأمن من العدو. وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رَشَدًا (10) نصير بسببه راشدين مهتدين. أو اجعل أمرنا كله رشدا.
كقولك: رأيت منك أسدا. وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء.
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي ضربنا عليها حجابا يمنع السماع، بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبّههم فيها الأصوات.
فحذف المفعول كما حذف في قولهم: بنى على امرأته. فِي الْكَهْفِ سِنِينَ ظرفان «لضربنا» . عَدَدًا (11) أي ذوات عدد ووصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده
.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه، وكانوا فتية أي شبانا متقابلين في الأسنان من أولاد عظماء الروم آمنوا بربهم وكان ذلك الإيمان عبرة وتفكرا منهم في عظمة اللّه تعالى وملكه وقدرته لم يأتهم بذلك وحي ولم يقرأوا كتابا ولم يدركوا زمان نبوة. وكانوا في زمن فترة قبل أن يبعث اللّه تعالى عيسى عليه الصلاة والسّلام، ثم بعثه اللّه تعالى وهم في الكهف راقدون ولبث في أمته ثلاثا وثلاثين سنة، ثم رفعه اللّه ومضى بعده زمان طويل. ثم بعثهم اللّه تعالى وأيقظهم واطلع أهل ذلك العصر على حالهم ليعلموا أن وعد اللّه بالبعث حق وأن الساعة آتية. قوله: (أو اجعل أمرنا كله رشدا) على أن تكون كلمة «مِنْ» في قوله: مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا تجريدية إذ هو الأمر بعينه مبالغة في إرشاده ولهذا قال: «اجعل أمرنا كله رشدا» . والتجريد من المحسنات البديعية المعنوية وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مماثل لذلك الأمر ذي الصفة في تلك الصفة لأجل المبالغة في كمال تلك الصفة في ذلك الأمر ذي الصفة، حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة. فإن جعلت كلمة «من» في الآية تجريدية يكون مطلوبهم أن يبلغ أمرهم في الرشد والهداية حدا يصح مع ذلك الحد أن يستخلص منه أمر آخر مثله في الرشد. وفي الوجه أول تكون «من» متعلقة «بهيئ» ، ويكون المعنى: إنهم لما هربوا إلى الكهف وفارقوا الناس وطلبوا سلامة الدين سألوا ربهم أن يهيئ لهم الرشد والاستقامة في مفارقتهم الكفار. قوله: (بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات) يعني أن ضرب الحجاب المانع من أن تصل الأصوات الموقظة إلى آذانهم وأسماعهم كناية عن الإنامة الثقيلة، وإنما صلح كناية عنها لأن الصوت والتنبيه طريق إزالة النوم فسد طريقه يدل على استحكام النوم وثقله. وخصت الآذان دون العيون مع أن النوم يتعلق بها دون الآذان، لأن ضرب الحجاب على العين لا يصلح كناية عن المبالغة في النوم لأن سد الأبصار إنما يدل على كمال أن لا يكون ما هو طريق الإزالة مؤثرا في زواله. قوله:
(بنى على امرأته) أي بنى عليها القبة عند دخوله عليها، فإن المعرس كان يبني على أهله حجابا. قوله: (ظرفان لضربنا) الأول ظرف مكان والثاني ظرف زمان. والمعنى: أنمناهم فيه