حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 452
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِنَعْلَمَ ليتعلق علمنا تعلقا حاليّا مطابقا لتعلقه أولا تعلقا استقباليّا أَيُّ الْحِزْبَيْنِ المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم. أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (12) ضبط «أمدا» لزمان لبثهم. وما في «أي» من معنى الاستفهام علق عنه «لِنَعْلَمَ» فهو مبتدأ و «أَحْصى» خبره وهو فعل ماض و «أَمَدًا» مفعوله و «لِما لَبِثُوا» حال منه أو مفعول له. وقيل: إنه المفعول واللام مزيد و «ما» موصولة و «أَمَدًا» تمييز. وقيل:
«أَحْصى» اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد كقولهم: هو أحصى للمال، وأفلس من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سنين ذوات عدد وقد بينها اللّه تعالى بقوله: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: 25] . قوله: (ليتعلق علمنا تعلقا حاليّا) لما كان قوله تعالى: لِنَعْلَمَ متعلقا بقوله: (بعثنا) ودل الكلام على أن يكون علمه تعالى حادثا مترتبا على إيقاظهم، دفع ذلك الاحتمال بما يدل على أن علمه تعالى سرمدي لا يجوز عليه التغيير والزوال وإنما التغيير في المعلومات، وأنه تعالى عالم بها في الأزل على ما ستكون عليه في أوقات حدوثها وبقائها، وكلما تجدد لها حال من الأحوال تعلق علمه تعالى بتلك الحال عند تجددها. فالتجدد والتغيير إنما هو في تعلقات العلم لا في نفسه. وقال هشام: إنه تعالى لا يعلم الحوادث قبل وقوعها ولا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج عليه بهذه الآية.
قوله: (المختلفين منهم أو من غيرهم) إشارة إلى أن أهل التأويل اختلفوا في الحزبين؛ قال مجاهد رضي اللّه عنه: إن الحزبين من الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا في أنهم كم ناموا ويدل عليه قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ [الكهف: 19] فأصحاب الكهف كانوا حزبين استقل أحدهما مدة لبثهم واستطالها آخرون، وهم الذين قالوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف قبل خروجهم منه فبعثهم اللّه تعالى ولم يبين ذلك بل أبهمه، وليس لنا حاجة إلى تعيين ما أبهم اللّه تعالى بيانه. قوله: (ولما لبثوا حال منه) أي من «أمدا» لأنه لو تأخر عنه لكان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا. والمعنى ضبط أمدا كائنا لزمان لبثهم في الكهف. وإن كانت اللام لام العلة يكون المعنى حينئذ: لنعلم أي الحزبين أحصى أي علم كقوله: أَحْصاهُ اللَّهُ [المجادلة: 6] ونسوه للسبب الذي لبثوا فيه لأجله. قوله: (وقيل أحصى اسم تفضيل) لم يرض به لأن أفعل من كذا لا يبنى من باب أفعل يفعل وقولهم: ما أولاه للخير وما أعطاه للمال، فمن الشواذ والشاذ النادر لا يقاس عليه. والمذلق يروى بالدال والذال وهو رجل من بني عبد شمس وأبوه وأجداده يعرفون بالأفلاس. قال الشاعر في حقه:
فإنك إن ترجو تميما ونفعها ... كراجي الندا والعرف عند المذلق