فهرس الكتاب

الصفحة 3084 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 453

ابن المذلق «وأمدا» نصب بفعل دل عليه «أحصى» كقوله:

وأضرب منّا بالسيوف القوانسا

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ بالصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ شبان. جمع فتى كصبي وصبية آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (13) بالتثبت وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ وقوّيناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال، والجراءة على إظهار الحق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: «وأمدا» نصب بفعل دل عليه «أحصى» أي دل أحصى الذي هو للتفضيل على ذلك الفعل المضمر من جنسه واحتيج إلى الإضمار لأن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر.

وأول البيت:

ولم أر مثل الحي حيّا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا

أكرّ وأحمى للحقيقة منهموا ... (وأضرب منّا بالسيوف القوانسا)

المصبح المغار عليه وقت الصبح، وحقيقة الرجل ما يحق على الرجل أن يحميه والدفاع عنه من أهل بيته. والقوانس جمع قونس وهو أعلى البيضة من الحديد ويطلق على ما بين أذني الفرس أيضا. يمدح كلا الفريقين أعداءه وأصحابه يقول: لم أر مغارا عليهم مثل الذين صبحناهم ولا مغيرين مثلنا يوم لقيناهم. وصف المغار عليهم بكمال الشجاعة ليكون أدل على شجاعة من غلب عليهم. فالقوانس في البيت منصوب بفعل مقدر من جنس أفعل التفضيل أي يضرب القوانس لا بنفس أفعل التفضيل لأنه لا يعمل في المظهر. فكذا فيما نحن بصدده، فإن قيل: إنه إنما لا يعمل في مظهر فاعل أو مفعول به فلم لا يجوز أن يكون «أمدا» منصوبا على التمييز ويعمل فيه «أحصى» كما في أكثر منه مالا وأحسن وجها؟ أجيب بأن التمييز في أمثال ذلك إنما هو فاعل في المعنى لأن المال هو الذي كثر، والوجه هو الذي حسن وليس الأمد هو الذي أحصى. قوله تعالى: (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، إذ لو جاء على نسق قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ لقيل: بربك وقوله: زِدْناهُمْ وَرَبَطْنا التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضا. قوله: (وقوّيناها بالصبر) يعني أن قوله تعالى: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ استعارة تبعية شبه تثبيت قلوبهم وتقويتها وحملها على الصبر على الشدائد التي تحملوها بربط الدابة وشدها بالرباط وهو الحبل، فإن ربط الدابة شدها بالرباط، والمربط أيضا هو الحبل. ومن المجاز ربط اللّه على قلوبهم لأنه يتعدى بنفسه إلا أنه نزل منزلة اللازم وزيدت كلمة «على» الاستعلائية للمبالغة والدلالة على كون الربط والتقوية مستوليا على قلوبهم مستقرا عليها، كما في قوله:

ويجرح دوما في عراقيبهم نصلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت