حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 512
حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين. أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسرة ما قبلها. ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال «وجدها تغرب» ولم يقل: كانت تغرب. وقيل: إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال: «حمئة» . فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة. وَوَجَدَ عِنْدَها عند تلك العين قَوْمًا قيل: كان لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لفظه البحر وكانوا كفارا، فخيره اللّه بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان كما حكى بقوله: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ أي بالقتل على كفرهم وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) بالإرشاد وتعليم الشرائع. وقيل: خيره بين القتل والأسر وسماه إحسانا في مقابلة القتل.
ويؤيد الأول قوله:
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (87) أي فاختار الدعوة، وقال: أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك، فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل ثم يعذبه اللّه في الآخرة عذابا منكرا لم يعهد مثله. وقرئ منصوبا غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين، ومنوّنا مرفوعا على أنه المبتدأ و «الحسنى» بدله. ويجوز أن يكون إما وإما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديره: فاتبع سببا سببا. قوله: (أو حمية) عطف على قوله: «حارة» أي يجوز أن يكون حامية بالألف بدون الهمزة بمعنى حارة من قولهم: حمى النهار بالكسر، وحمى التنور جميعا إذا اشتد حره. ويجوز أن يكون بمعنى حمئة بهمزة من غير ألف أي ذات حمأة وهي الطين الأسود، على أن تكون ياء حامية مقلوبة عن الهمزة فتكون قراءة «حمئة» و «حامية» بمعنى واحد.
قوله: (ولعله بلغ) جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: قد تقرر أن الشمس في السماء الرابعة ولها فلك خاص يدور بها في السماء فكيف يكون غروبها في عين حمئة؟ وتقرير الجواب أنه تعالى لم يخبر أن غروبها في الحقيقة في عين حمئة، وإنما أخبر بأن ذا القرنين يجدها ويظن أنها تغرب فيها حيث قال: وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فإنه لما بلغ موضعا من المغرب لم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في هذه العين المظلمة، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة إذ تغيب وراء البحر، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأة السوداء.
فقوله: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط البحر به وهو موضع شديد السخونة. قال أهل الأخبار في صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة. قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها لسمع الناس صوت الشمس