حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 515
قيل: كانوا يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه. وقيل:
كانوا يأكلون الناس. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا جعلا نخرجه من أموالنا. وقرأ حمزة والكسائي «خراجا» وكلاهما واحد كالنول والنوال. وقيل: الخراج على الأرض والذمة، والخرج المصدر. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) يحجز دون خروجهم علينا.
وقد ضمه من ضم السدين غير حمزة والكسائي.
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ما جعلني فيه مكينا من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه.
وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل. فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) حاجزا حصينا وهو أكبر من السد من قولهم:
ثوب مردم إذا كان فيه رقاع فوق رقاع.
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعة والزبرة القطعة الكبيرة، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإيتاء بمعنى المناولة، ويدل عليه قراءة أبي بكر «رد ما ائتوني» بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير، ولأن إعطاء الآلة من الإعانة بالقوة دون الخراج على العمل حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ بين جانبي الجبلين بتنضيدهما.
وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريار بضمتين، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال، وقرئ بفتح الصاد وضم الدال. وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلا منهما منعزل عن الآخر، ومنه التصادف للتقابل. قالَ انْفُخُوا أي قال للعملة: انفخوا في الأكوار والحديد حَتَّى إِذا جَعَلَهُ جعل المغوخ فيه نارًا كالنار بالإحماء قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) أي آتوني قطرا أي تحاسدا مذابا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آتاها اللّه تعالى إياه. قوله تعالى: (حَتَّى إِذا ساوى) فيه إضمار أي فأتوه بها فنضدها أي وضع تلك الزبر بعضها على بعض حتى صارت بحيث سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ عليها فنفخ فيها حتى صارت كالنار، ثم صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا بين جانبي الجبلين. سمى كل جانب للجبلين صدقا لكونه مصادفا ومقابلا للآخر من قولك: صادفت الرجل أي لاقيته وقابلته.
وصارت الزبر المنضودة مساوية لهما كالحشو فيما بينهما. واعلم أن هذا معجز قاهر لأن هذه الزبر الكثيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا بالقرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين عليها. قيل: كان بعد ما بين السدين مائة فرسخ وحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل عرضه خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وجعل حشو الأساس الصخور وطينه النحاس يذاب فيصب عليها فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. فلما ملأ حشو الأساس