حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 520
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا ما يكتب به وهو اسم ما يمدّ به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج لِكَلِماتِ رَبِّي لكلمات علمه وحكمته لَنَفِدَ الْبَحْرُ لنفد جنس البحر بأسره لأن كل جسم متناه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي فإنها غير متناهية لا تنفذ كعلمه وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ بمثل البحر الموجود مَدَدًا (109) زيادة ومعونة، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهيا للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد. والمتناهي ينفد قبل أن ينفذ غير المتناهي لا محالة. وقرئ «ينفد» بالياء و «مددا» بكسر الميم جمع مدة وهو ما يستمده الكاتب و «مدادا» . وسبب نزولها أن اليهود قالوا: في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] وتقرأون وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لا أدعي الإحاطة على كلماته يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وإنما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فوقها، فإذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإن فوقه عرش الرحمن ومنه انفجرت أنهار الجنة». قال بعضهم: إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين، والكريم إذا أعطى النزل أولا فلا بد وأن يتبعه بالخلعة والكرامة الزائدة وما بعد الجنة إلا رؤيته تعالى. وكذلك في الآية الأولى لمّا جعل اللّه تعالى جهنم نزلا للكافرين لم يبق عذاب آخر بعد جهنم إلا كونهم محجوبين عن رؤية اللّه تعالى كما قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15] .
قوله: (وهو اسم ما يمدّ به الشيء) أي يزاد يقال: أمددت الجيش بمدد، والاستمداد طلب المدد، والحبر اسم خاص لما يوضع في المحبرة ويكتب به، والمداد يطلق على كل ما يمد به غيره كالحبر للدواة والزيت للسراج. قال ابن الإنباري: سمي الحبر مدادا لإمداد الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء ويقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد لكونه ممدا لما فني منه بالاشتعال. والمعنى: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب كلمات اللّه وحكمته لنفد البحر قبل أن تنفد تلك الكلمات، فإن كلماته تعالى غير متناهية والبحر كيف ما فرض في الاتساع والعظمة متناهي، والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي. قيل في سبب نزول هذه الآية: إنهم لما سألوا عن الروح وعن كدا وكذا، ونزل في جواب الروح في آخر الآية: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالت اليهود: إنه يقول إنّا قد أوتينا الحكمة ثم يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] فكيف يجتمع هذا مع قوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فنزلت هذه الآية. أي وإن كانت الحكمة وهي القرآن خيرا كثيرا وقد آتانيه اللّه تعالى ولكنه قطرة من بحر كلمات اللّه فإنه كما لا غاية لذات اللّه تعالى ولصفات كماله في علمه وحكمته، فكذا لا غاية للكلمات الدالة عليها. قوله: (وقرئ بالياء) يعني أن حمزة والكسائي قرأ «آينفد» بالياء من تحت لكونه تأنيث الكلمات غير حقيقي،