حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 526
وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرج مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة وجعله مميزا إيضاحا للمقصود. واكتفى باللام عن الإضافة للدلالة على أن علم المخاطب يتعين المراد يغني عن التقييد. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) بل كلما دعوتك استجبت لي. وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادا فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوّده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: اللفظ المستعار في الاستعارة التخييلية يجب أن لا يتحقق معناه لا حسا ولا عقلا بل يكون معناه صورة وهمية محضة كلفظ الأظفار، فإن الوهم اخترع للمنية صورة شبيهة بصورة الأظفار المحققة ثم عبر عن تلك الصورة الشبيهة باسم المشبه به وهو الأظفار فمعناه:
صورة وهمية لا تحقق لها حسا ولا عقلا والمعنى: الذي عنى بلفظ اشتعل ليس صورة وهمية بل هو أمر ثابت للشيب. فالجواب: إن الاشتعال بمعنى الانتشار والنشور أمر محقق ثابت للشيب حسا إلا أن الاشتعال الحقيقي الذي هو من لوازم المشبه وهو الشواظ إنما ثبت له باختراع الوهم، وهذا القدر كاف في كونها استعارة تخييلية وقرينة للاستعارة بالكناية وكونها صورة وهمية لا تحقق لها حسا ولا عقلا. قوله: (وأسند الاشتعال إلى الرأس) يعني أن الاشتعال بمعنى الانتشار والنشور حقه أن يسند إلى الشيب لأنه من الصفات القائمة به، لكنه أسند إلى مكان الشعر الذي هو محل الشيب للمبالغة في الدلالة على شمول اشتعال الشيب. واعلم أن أصل الكلام المتعارف الأوساط في هذا المقام أن يقال: إني شخت عدل عنه إلى ما هو أبلغ منه وهو: شاب رأسي لأنه كناية عن الشيخوخة والكناية أبلغ من التصريح. ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو: اشتعل شيب رأسي فإنه أبلغ من: شاب رأسي إذ ليس فيه تعريض لانتشار الشيب. ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو: اشتعل رأسي شيبا فإنه أبلغ من قولك: اشتعل شيب رأسي من جهات: إحداها إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال، إذ وزن اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزن اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا، والفرق بيّن. وثانيتها ما في التمييز من التفصيل بعد الإجمال، وثالثتها تنكير «شيبا» لإفادة الكمال. ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو: اشتعل الرأس شيبا لما فيه من مزيد التقرير لأن التعويل فيه على شهادة العقل دون اللفظ، فلما اشتمل الكلام على هذه اللطائف ترقى إلى أعلى درجات البلاغة. قوله: (إيضاحا للمقصود) فإن «شيبا» تمييز منقول من الفاعلية إذ الأصل اشتعل شيب الرأس، فلما قصد سلوك طريق التفصيل بعد الإجمال أبهم ما هو المشتعل حقيقة ثم ميز بقوله: شَيْبًا لتعين أن المشتعل هو الشيب.
قوله: (بل كلما دعوتك) إشارة إلى أن قوله: بِدُعائِكَ من إضافة المصدر إلى