حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 529
سليمان عليه السّلام. وقرئ «يرثنى وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين وأويرث بالتصغير لصغره ووارث من آل يعقوب على أنه فاعل «يرثني» وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد من المذكور أولا مع أنه المراد. وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) ترضاه قولا وعملا.
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه، وإنما تولى تسميته تشريفا له. لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) لم يسم أحد بيحيى قبله، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى. وقيل: سميا شبيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرث ولده منه حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم.
قوله: (وأويرث) هو تصغير وارث والأصل وويرث بواوين وجب قلب أو لاهما همزة لاجتماعهما متحركتين في أول الكلمة، كما في أويصل أصله وويصل تصغير واصل والواو الثانية بدل من ألف فاعل. قوله: (وهذا يسمى التجريد) أي هذا الصنيع وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها إيذانا بكمالها فيه نحو أن تجرد من الولي وهو الوارث نفسه وارثا آخر إيذانا بكمال الوراثة فيه، وقد يكون التجريد بكلمة «في» كما في قوله تعالى في صفة الجنة: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ واعلم أن زكريا عليه الصلاة والسّلام قدم على سؤال الولد أمورا ثلاثة: أحدها استيلاء الضعف عليه وعلى امرأته وذلك مما يزيد الدعاء تأكيدا لما فيه من الاتكال على حول اللّه وقوته والتبري من الأسباب الظاهرة. وثانيها أنه تعالى عوده بالإجابة ولم يرد دعاءه قط، والكريم إذا عود أحدا بالإحسان لا يقطعه بالآخرة لا سيما في زمان كونه أحوج إليه. وثالثها كون المطلوب منتفعا به في أمر الدين وهو قوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ وفرع سؤال الولد على هذه الأمور الثلاثة. وقوله تعالى:
زَكَرِيَّا فيه اختصار أي فاستجبنا دعاءه وقلنا يا زكريا، فعلى هذا كان النداء من اللّه تعالى كما ذهب إليه أكثر المفسرين لأنه ذكر قبل هذه الآية أن زكريا نادى ربه نداء خفيا وسأله الولد بعدها أنه عليه الصلاة والسّلام قال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطابا مع اللّه تعالى وجب أن يكون نداء زكريا من اللّه تعالى وإلا لفسد النظم. وقيل: هو نداء الملك لقوله تعالى في سورة آل عمران: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [آل عمران: 39] والجواب أن حصول النداء من الملائكة وهو قائم لا ينافي حصوله من اللّه تعالى وقوله: «وهو شاهد» أي مدح يحيى بأنه لم يكن له سمى قبل شاهد بأن التسمية بالأسامي النادرة الغريبة تنويه أي رفع لقدر المسمى يقال: ناه الشيء ينوه أي ارتفع ونوهته تنويها إذا رفعته ونوهت باسمه إذا رفعت