حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 532
الأسباب. ومفعول «قال» الثاني محذوف أي افعل ذلك وهو على هين. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) بل كنت معدوما صرفا. وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء. وقرأ حمزة والكسائي و «قد خلقناك» .
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعلم بها وقوع ما بشّرتني به. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) سوى الخلق ما بك من خرس ولا بكم. وإنما ذكر الليالي ههنا والأيام في آل عمران للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن.
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ من المصلى أو من الغرفة فَأَوْحى إِلَيْهِمْ فأومأ إليهم كقوله: إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: 41] وقيل: كتب لهم على الأرض. أَنْ سَبِّحُوا صلّوا أو نزهوا ربكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه غير أن الأول بفتح التاء والموعود له هو أن يحصل له الغلام المبشر به في المستقبل، فيكون «هين» بمعنى يهون حصوله عليّ، والثاني بضم التاء والذي وعده اللّه تعالى بالنسبة إليه تعالى هيّن أزلا وأبدا وإن كان بالنسبة إلى زكريا لا يهون عليه. قوله: (بل كنت معدوما) ومن قدر على الخلق والإيجاد من العدم الصرف كان قادرا على تبديل صفات الشيخ الضعيف والشيخة العاقرة بأن يعيد إليهما القوة التي منها يتولد الماءان اللذان يخلق من اجتماعهما الولد. والمعدوم ليس بشيء عند أهل السنة وبعض المعتزلة، خلافا لبعضهم ومنهم من قال: المعدوم شيء. قوله: (علامة اعلم بها وقوع ما بشّرتني به) فإن البشارة بالولد وقعت مطلقة فلا يعرف وقتها بمجرد البشارة فطلب آية يعلم بها وقت وقوع ذلك الغلام في رحم أمه ليزداد في الشكر ودعاء السلامة. واتفقوا على أن تلك الآية هي تعذر الكلام عليه فإن مجرد السكوت مع القدرة على الكلام لا يكون معجزا. ثم اختلفوا على قولين: أحدهما أنه اعتقل لسانه أصلا والثاني أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان متمكنا من ذكر اللّه تعالى ومن قراءة التوراة. واختار المصنف هذا القول حيث قال: «والتجرد للذكر والشكر» . وقوله تعالى: «سَوِيًّا» حال من فاعل «تُكَلِّمَ» أي لا تكلم الناس في هذه المدة حال كونك صحيحا سويا. والمحراب يطلق على المسجد وعلى الغرفة. وقوله: «إن سبحوا» يجوز أن يكون تفسيرا لأوحى وأن يكون بمعنى المصدر المنصوب على أنه مفعول «أوحينا» و «بُكْرَةً وَعَشِيًّا» ظرفان للتسبيح. قوله: (وقيل كتب لهم على الأرض) لم يرض به لقوله تعالى في سورة آل عمران: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: 41] والرمز لا يطلق على الكتابة. روي عن أبي العالية: أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة المغرب. فيحتمل أن يكون المعنى أنهم يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين بأن يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه في دخول محرابه، فلما اعتقل