حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 534
وَسَلامٌ عَلَيْهِ من اللّه يَوْمَ وُلِدَ من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم وَيَوْمَ يَمُوتُ من عذاب القبر وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) من عذاب النار وهول القيامة
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ في القرآن مَرْيَمَ يعني قصتها إِذِ انْتَبَذَتْ اعتزلت بدل من مريم بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدل الكل لأن المراد بمريم قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد، أو ظرف لمضاف مقدر. وقيل: «إذ» بمعنى «أن» المصدرة كقولك: لا أكرمك إذ لم تكرمني فتكون بدلا لا محالة. مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16) شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة. و «مكانا» ظرف أو مفعول لأن «انتبذت» متضمن معنى أتت.
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا سترا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (17) قيل:
قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت، فبينا هي في مغتسلها أتاها جبرائيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عيسى عليه الصلاة والسّلام من غير أب، وقدم القصة الأولى على الثانية على طريق الترقي مما هو أقرب إلى العقل والعادة إلى ما هو أبعد عنهما فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ وذكر لكلمة «إذ» أربعة أوجه: الأول كونها بدل اشتمال من المحذوف المضاف إلى مريم، والثاني كونها بدل كل منه بناء على أن يراد بالظرف ما وقع فيه، والثالث أن يكون ظرفا للمضاف المقدر أي اذكر قصة مريم أو خبرها أو نبأها إذ انتبذت، والرابع أن يكون بمعنى «أن» المصدرية فيكون بدل اشتمال أي واذكر مريم انتباذها وتقدير المثال: لا أكرمك لأن لم تكرمني أي لعدم إكرامك. ولا يجوز أن يكون ظرفا «لاذكر» لأن الذكر ليس في ذلك الوقت. والنبذ أصله الطرح، والإلقاء والانتباذ افتعال منه، وانتبذت أي اعتزلت وتباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان هي ناحية الشرق من بيت المقدس أو من دارها. ثم إنها لم تقصر على ذلك بل اتخذت من دون أهلها حجابا أي حائلا يحول بينها وبينهم ثم لا بد في احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس بمذكور في القرآن. واختلف المفسرون فيه على وجوه؛ فقيل: إنها لما رأيت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة تنتظر الطهر لتغتسل وتعود، فلما طهرت جاءها جبريل عليه الصلاة والسّلام. وقيل: قعدت في المشرقة وهو موضع قعود في الشمس. وضم الراء وفتحها لغة فيه، وفيه لغتان أخريان مشراق وشرقة بفتح الشين وسكون الراء. احتجبت عن أهلها لتتخلى للعبادة ولا تشتغل عنها. وقيل: كان لها في منزل زكريا محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت فجلست في المشرقة وراء الجبل، فأتاها الملك. وقيل: عطشت فخرجت إلى المغارة للسقي واللّه أعلم.