حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 535
متمثلا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهيج شهوتها به فتنحدر نطفتها الى رحمها
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ من غاية عفافها إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) تتقي اللّه وتحتفل بالاستعاذة. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك أو فاتعظ بتعويذي أو فلا تتعرض لي. ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقيا متورعا فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك؟
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ الذي استعذت به لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا أي لأكون سببا في هبته بالنفخ في الدرع.
ويجوز أن يكون حكاية لقوله سبحانه، ويؤيده قراءة أبي عمرو وابن كثير عن نافع ويعقوب بالياء. زَكِيًّا (19) طاهرا من الذنوب أو ناميا على الخير أي مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح.
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يباشرني رجل بالحلال، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه. أما الزنى فإنما يقال فيه: خبث بها وفجر ونحو ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لتستأنس بكلامه) فإنه لو ظهر في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه. قوله: (ولعله) أي ولعل تمثله في تلك الصورة البهية لتهيج شهوتها أطلق الروح على جبريل عليه الصلاة والسّلام تشبيها له بالروح في أنه سبب لحياة الدين كما أن الروح سبب لحياة البدن. وهذه استعارة في مجرد الروح. ثم أضيف الروح إلى ضمير المتكلم ليعلم أن المراد منه ليس روح البدن فهو قرينة الاستعارة. قوله: (وتحتفل) أي تنصرف وتذهب يقال:
حفلته فاحتفل أي جلوته عن مكانه فاجتلى. قوله: (ويجوز أن يكون للمبالغة) أي في عوذها بالرحمن عطف على ما قبله من حيث المعنى، فإن محصول ما قبله أن قوله: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا لتقييد الحكم المدلول عليه بما قدر جزاء ثم قال: ويجوز أن يكون المقصود منه تقييد الحكم بل يكون للمبالغة في عوذها بالرحمن كأنها قالت: إني عائذة منك إن كنت تقيا، فكيف إن لم تتق؟ كقوله عليه السّلام: «نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه» فإن الشرط فيه للمبالغة في نفي العصيان على أنه لو لم يخف منه تعالى لم يعصه فكيف إذا خاف منه. ثم إن جبريل عليه الصلاة والسّلام لما علم خوفها قال: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ على طريق قصر الموصوف على الصفة ليزول عنها ذلك الخوف، أي ليس بي ما تخافين مني لأجله وإنما شأني الرسالة من قبل ربك في هبة الغلام. وأسند الهبة إلى نفسه لكونه سببا في هبته من حيث إنه تعالى وهب الغلام لمريم بواسطة نفخ الملك في درعها. ويجوز أن يكون ضمير «أهب» للّه تعالى على أن يكون الملك حاكيا لها كلام ربها بقول مضمر كأنه قال: إنما أنا رسول ربك لأبلغ إليه ما قاله اللّه تعالى في حقك وهو قوله: أهب لَكِ غُلامًا. قوله:
(ولم يباشرني رجل بالحلال) جواب عما يقال: قولها: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ كاف في