حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 539
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ فألجأها المخاض، وهو في الأصل متقول من جاء، لكنه خص به في الاستعمال كاتي في أعطى. وقرئ «المخاض» بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج. إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة وهو ما بين العذق والغصن، وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة فيها وكان الوقت شتاء. والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمة غيرها. وكانت كالمتعالم عند الناس ولعله تعالى ألهمها بذلك ليريها من آياتها ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها. قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا استحياء من الناس ومخافة لومهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر «مت» من مات يموت وَكُنْتُ نَسْيًا ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب. ونظيره: الذبح لما يذبح. وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به، وقرئ به وبالهمزة. وهو الحليب المخلوط بالماء ينسأه أهله لقلته مَنْسِيًّا (23) منسى الذكر بحيث لا يخطر ببالهم. وقرئ بكسر الميم على الاتباع.
فَناداها مِنْ تَحْتِها عيسى. وقيل: جبريل كان يقبل الولد. وقيل: تحتها أسفل من مكانها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح «من تحتها» بالكسر والجر على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميلا. فقال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته اللّه تعالى من غير بذر، أو لم تعلم أن اللّه أنبت الشجر بغير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو لم تعلم أن اللّه تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ذلك زالت التهمة عن قلب يوسف فكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وتضييق القلب. فلما دنا نفاسها أوحى اللّه تعالى إليها: أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك البلاد وأدركها النفاس فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها.
وثانيها أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لئلا يعلم بها زكريا عليه الصلاة والسّلام. وثالثها أنها لما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة. ورابعها أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم. واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وليس في القرآن ما يدل على شيء منها فالأولى السكوت عنها. قوله: (كالمتعالم) مفعول من تعالمه الجميع أي علموه. قوله: (من تحتها عيسى) عليه الصلاة والسّلام قدم هذا الاحتمال لأن من تحتها بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحدا والذي علم كونه