حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 584
عليه فإن نفس الكتبة لا تتأخر عن القول لقوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) ونطول له من العذاب ما يستأهله أو نزيد عذابه ونضاعف له لكفره وافترائه واستهزائه على اللّه. ولذلك أكّده بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه.
وَنَرِثُهُ بموته ما يَقُولُ يعني المال والولد. وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْدًا (80) لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلا أن يؤتى ثم زائدا. وقيل:
فردا رافضا لهذا القول منفردا عنه.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى اللّه وشفعاء عنده.
كَلَّا ردع وإنكار لتعززهم بها سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ سيجحد الآلهة عبادتهم ويقولون: ما عبدتمونا لقوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: 166] أو سينكر الكفرة لسوء العاقبة أنهم عبدوها لقوله: ثُمَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونطول له من العذاب) على أن يكون المد بمعنى تطويل مدة العذاب والخلود فيه كما يقال: مد اللّه في عمره ومده في عيشه أي أمهله وطول له، فيكون من المد لا من المدد. وأشار بقوله: «ما يستأهله» إلى أن قوله: مِنَ الْعَذابِ صفة موصوف محذوف أي نطول له شيئا من العذاب أي نوعا من العذاب يستحقه هذا الكافر الذي قال: لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا. قوله: (أو نزيد عذابه) على أن يكون قوله: نَمُدُّ من المدد وتضعيف العذاب كما قال تعالى: زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ [النحل: 88] فإن مده وأمده يستعملان بمعنى واحد أي زاده وألحق به ما يقويه، ويقال: مد الجيش إذا ألحق به المدد. قوله تعالى:
(وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ) يجوز أن يكون الضمير فيه في محل النصب بنزع الخافض فيكون ما يقول مفعولا به، والتقدير: ونرث منه ما يقول أي مسمى ما يقوله ومدلوله لا نفس قوله. ويجوز أن يكون ضمير «نرثه» مفعولا صريحا و «ما يقول» بدلا منه بدل اشتمال فالمعنى: نرث ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه ويأتينا فردا قد سلب منه ما كان له في الدنيا من علاقة الأبوة والمالية. وهذا القول إنما يقوله ما دام حيا فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقول ويأتينا فردا غير قائل به. ثم إنه تعالى لما بالغ في تحقيق الحشر والنشر والرد على من أنكرهما شرع بعده في الرد على عباد الأصنام فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً والمراد بالفردية الانقطاع عنهما في العاقبة بالكلية، ولا شك أن مثل هذه الفردية لا يحصل إلا للكافر وإلا فالمؤمن والكافر سواء عند البعث في كونهما منفردين عن المال والولد لقوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 94] ثم يتفاوتون بعد ذلك فالمؤمن يلاقي أحبابه وأولاده وما اشتهاه، والكافر يحال بينه وبين ما يشتهيه وينفرد عنه أبدا. قوله:
(سيجحد الآلهة إلى قوله أو سينكر الكفرة) يعني أن ضمير «يكون» يجوز أن يرجع إلى الآلهة