حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 589
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (88) الضمير يحتمل الوجهين، لأن هذا لما كان مقولا فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم.
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) على الالتفات للمبالغة في الذم والتسجيل عليهم بالجراءة على اللّه «والإدّ» بالفتح والكسر العظيم المنكر، والإدّة الشدة، وأدني الأمر وآدني أثقلني وعظم عليّ.
تَكادُ السَّماواتُ قرأ نافع والكسائي بالياء يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ يتشققن مرة بعد أخرى. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب «ينفطرن» والأول أبلغ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المجرمون لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند اللّه عهدا، فيدخل فيه صاحب الكبيرة لأنه بإقراره واعتقاده بالتوحيد والرسالة يصدق عليه أنه قد اتخذ عند الرحمن عهدا فيستحق أن يشفع له كما يستحق أصحاب الصغائر، لذلك فإن كل واحد منهما مجرم موكول أمره إلى مشيئة اللّه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه تفضلا أو بشفاعة الشافعين، فإن الشفاعة إنما تكون فيمن استحق التعذيب. فعلى هذا التأويل تكون الآية دليلا على بطلان قول المعتزلة من أن صاحب الكبيرة لا يغفر له وصاحب الصغيرة مغفور له، ومن كان مغفور الذنب لا معنى للشفاعة فيه فلم يبق للشفاعة متعلق على مذهبهم. ومما يدل على أن المجرم يستحق الشفاعة بمجرد الإيمان والإقرار بالشهادتين ما روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قال كل صباح ومساء: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أنك أنت اللّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين فإنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وأني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. طبع اللّه عليه طبعا ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند اللّه عهد فيدخلون الجنة» . هذه رواية الإمام الواحدي في البسيط. والطبع الختم وهو التأثير في الطين ونحوه يقال: طبع الكتاب وعلى الكتاب طبعا إذا ختمه. والطابع بالفتح الخاتم يريد به أنه يختم عليه ويوضع كما يفعله الإنسان بما يعز عليه. وقال الإمام الرازي: ظهر بهذا الحديث أن المراد من العهد كلمتا الشهادة، وظهر وجه دلالة الآية على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر.
قوله: (الضمير يحتمل الوجهين) يعني قالوا: يحتمل أن يكون للعباد كلهم وأن يكون للمجرمين كما يحتملهما ضمير لا يَمْلِكُونَ ثم لما رد اللّه تعالى على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولدا كما قالت اليهود: عزير ابن اللّه، وقالت النصارى: المسيح ابن اللّه، وقالت العرب: الملائكة بنات اللّه والكل داخلون في هذه الآية. قوله: (مرة) إشارة إلى أن بناء التفعل للتكثير نحو: تبضع الرجل أي خرج بضعه قليلا قليلا، والبضع العرق. ووجه