حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 597
إلى الحس، وأظهر عنده من السماوات العلى وهو جمع العليا تأنيث الأعلى. ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفراء: أي أبرزناها حتى تظهر إليها الكفار. فخم القرآن المنزل بذكر ما يدل على عظمة منزله ترغيبا في تدبره والعمل بمدلوله، فإن قيل: لم عطف الجمع على المفرد في قوله تعالى: مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ مع أن الأولى رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه؟ أجيب بأن الألف واللام إذا دخل في اسم غير علم مفردا كان أو جمعا يصرف التعريف إلى الجنس إذا لم يمكن حمله على المعهود وإن أمكن فلا، ولا وجه لحمل تعريف السماوات على الآحاد المعدودة فتعين صرفه إلى الجنس، فليس في الكلام عطف الجمع على المفرد بل فيه عطف على الجنس، وفيه رعاية التطابق.
قوله: (ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات) بيّن وجه ارتباط قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى بقوله: خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ وجعل قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ استئنافا لبيان طريق خلق ما ذكره وقوله: «بأن قصد العرش» متعلق بقوله: «إحداث الكائنات وتدبير أمرها» على طريق التنازع وهو يشعر بأنه حمل العرش على الذي تحمله الملائكة ويحفون حوله، وحمل الاستواء على العرش على القصد إليه إلا أنه عدى ب «على» لتضمينه معنى الاستيلاء والظهور كما قيل في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [البقرة: 29؛ فصلت: 11] معناه ثم قصد. وأشار إلى وجه تخصيص العرش بالذكر مع أن الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى جميع الكائنات بقوله: «بأن قصد العرش» فأجرى منه الأحكام وأنزل منه الأسباب. والقصد المسند إلى اللّه تعالى ليس المراد به حقيقة القصد لأنه اسم للإرادة باعتبار الحدوث وإرادته تعالى منزهة عنه، بل هو استعارة تبعية. شبه خلق السماء بعد خلق ما ذكر قبله بمباشرة الخلق فعلا بعد فعل آخر فإنها تكون مسبوقة بالقصد الحادث، فعبّر عن تعلق الإرادة الأزلية بخلق السماء بالاستواء بمعنى القصد فاشتق منه لفظ استوى. وفي الصحاح: المساواة بين الشيئين المعادلة بينهما تقول: سوّيت الشيء فاستوى أي عدلته فاعتدل، واستوى على ظهر دابته أي استعلى واستقر عليه، واستوى إلى السماء أي قصد، واستوى على كذا ظهر. قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
انتهى. وقد تمسك المشبهة بهذه الآية في أن معبودهم جالس مستقر على العرش وهو باطل بالعقل والنقل. واختلف أهل الحق في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم. إنّا نقطع بأن