حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 598
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (6) ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته. ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّه تعالى منزه عن المكان والجهة، وأنه تعالى لم يرد من الاستواء الجلوس والاستقرار بل مراده به شيء آخر إلا أنّا لا نشتغل بتعيين ذلك المراد خوفا من الخطأ. وقال البعض الآخر:
لما قامت الأدلة العقلية على امتناع الاستقرار ودلّ ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار لم يمكن العمل بمقتضى الدليلين، ضرورة استحالة كون الشيء الواحد منزها عن المكان وحاصلا فيه معا، ولا سبيل أيضا إلى ترك العمل بهما لأنه يستلزم ارتفاع النقيضين معا وهو باطل، ولا إلى ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل للنقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثه للرسول لم يثبت النقل، فالقدح في العقل لأجل تصحيح النقل يقتضي القدح في العقل والنقل معا فلم يبق إلا أن يقطع بصحة العقل ويشتغل بتأويل النقل. ثم إنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعض العلماء: المراد من الاستواء الاستيلاء والاقتدار كما في قوله الشاعر:
قد استوى بشر على العراق
والمراد من العرش هو الذي تحمله الملائكة. وقال صاحب الكشاف: العرش سرير الملك والاستيلاء عليه كناية عن الملك لأنه من توابع الملك وروادفه فإنه يقال: استوى فلان على العرش قصدا للإخبار عنه بأنه ملك وإن لم يقعد على العرش البتة، والتعبير عن الشيء بطريق الكناية أبلغ وأوقع من الإيضاح بذكره لأنك مع الكناية كمدّعي الشيء بالبينة. قوله:
(ليدل بذلك على كمال قدرته) فإن ما في السماوات من الملك والنجم وغيرهما، وما في الأرض من المعدن والنبات والحيوان والإنسان وما بينهما من العناصر، وما تحت الثرى مما لا يعلمه إلا اللّه إذا كان للّه خلقا وملكا تحت قدرته وأمره لا يمتنع شيء منه عن نفاذ قدرته وإرادته فيه دل ذلك على كمال قدرته وإرادته. فإن قيل: الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء، فكيف يكون اللّه تعالى مالكا له؟ أجاب الإمام عنه بأن الثرى في اللغة التراب الندي، فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات. فقوله: وَما تَحْتَ الثَّرى معناه وما تحت الأرض لأن ظاهر الأرض تراب جاف وما هو أسفل منه فهو تراب مبتل وهو الثرى، أي يعلم ما تحت الأرض مما بطن فيها كما يعلم ما ظهر منها وما بينها وبين السماء. وعن السدي: ما تحت الثرى هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة. والمفسرون يقولون: أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي على الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا اللّه تعالى كما لا يعلم أحد