حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 599
وخفياتها على سواء فقال:
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (7) أي وإن تجهر بذكر اللّه ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه يعلم السر وأخفى منه وهو ضمير النفس. وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام اللّه بل لتقرير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار. ثم لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بيّن أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (8) و «من» في «ممن خلق الأرض» صلة «لتنزيلا» أو صفة له، والانتقال من التكلم إلى الغيبة للتفنن في الكلام وتفخيم المنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإكرام، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به والانقياد له من حيث إنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما فوق السدرة إلا هو. قيل: السدرة شجرة في السماء السابعة مما يلي الجنة عروقها تحت الكرسي وأغصانها تحت العرش إليها ينتهي علم الخلائق، كل ورقة منها تظل أمة من الأمم تغشاها الملائكة كأنهم فراش من ذهب عليها الملائكة لا يعلم عددها إلا اللّه تعالى ومقام جبريل عليه الصلاة والسّلام في وسطها. قوله: (أي وإن تجهر بذكر اللّه ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك) جواب ما يقال: إن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى جزاء الشرط ومن شرط الجزاء أن يكون مسببا عن الشرط، وعلمه تعالى بشيء ما ليس مسببا عن شيء من الممكنات فكيف يكون مسببا عن جهر المخاطب بالقول؟ وتقرير الجواب: أن جزاء الشرط لا يكون إلا جملة والمشروط المسبب عن الشرط قد يكون نفس مضمون تلك الجملة التي هي وقوع نسبة تلك الجملة أو لا وقوعها، كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [البقرة: 274] وهو ثبوت الأجر لهم عنده تعالى. وقد يكون المشروط إعلام المخاطب بمضمون تلك الجملة لا نفس مضمونها كما في قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] فإن الشرط فيه وهو استقرار النعمة عندنا ليس سببا لنفس كونها من اللّه تعالى بل هو سبب للإخبار بأنها من اللّه وما نحن فيه من هذا القبيل فإن الجهر بالقول ليس سببا لنفس مضمون جملة الجزاء بل هو سبب للإعلام به، فعلى هذا الظاهر أن يقول فاعلم أنه يعلم السر وأخفى، إلا أنه عدل عنه إلى ما اختاره للإشارة إلى أن ما هو جزاء حقيقة حذف في الآية وأقيم مقامه ما يدل عليه فإن علم السر والأخفى مستلزم للغنى عن الجهر، وتحقق الملزوم دليل على تحقق اللازم فلذلك أطلق الملزوم وأريد اللازم. قوله: (وهو ضمير النفس) أي المراد بالأخفى ما تضمره النفس ولم تظهره لأحد لا سرا ولا جهرا، وبالسر ما أسررته إلى غيرك وبالجهر ما ترفع به صوتك.