حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 601
به. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ بشعلة من النار. وقيل: جمرة. أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) هاديا يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم. ولما كان حصولهما مترقبا بنى الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا، ولذلك حققه لهم بأن ليوطنوا أنفسهم عليه. ومعنى الاستعلاء في على النار أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد: إنه لصوق بمكان يقرب منه.
فَلَمَّا أَتاها أتى النار وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء. نُودِيَ يا مُوسى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني، وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق. قيل: إنه لما نودي قال: من المتكلم؟ قال: إني أنا اللّه. فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام الشيطان فقال: أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع الجهات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته فلذلك أخطأ الطريق. قوله: (بشعلة من النار) أي بشيء فيه لهب مقتبس من معظم النار. وقيل: القبس الجمرة الغير المشتعلة يقال: قبست منه نارا في رأس عود أو فتيلة أو غيرها. قال أكثر المفسرين: إن الذي رآه موسى عليه الصلاة والسّلام لم يكن نارا بل كان نور الرب تعالى ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، فلما دنا منه رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار، فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما. قال الإمام: والصحيح أنه رأى نارا ليكون صادقا في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. قوله: (ولما كان حصولهما) أي حصول الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين ومتوقعين، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: «لعلي» ولم يقطع بأن يقول: «إني آتيكم» لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به. وانظر كيف احترز موسى عن شائبة الكذب قبل نبوته حيث لم يقل «آتيكم» بل قال: لَعَلِّي آتِيكُمْ وإنما قال:
«أواجد على النار هدى» لأن النار قلما تخلو من أهلها وناس عندها. قوله: (قال سيبويه في مررت بزيد) تأكيد لقوله: «أو مستعلون المكان القريب منها» فإنه جعل اللصوق بمكان يقرب من النار بمثابة استعلاء نفس النار. قوله: (قيل إنه لما نودي قال من المتكلم) قال وهب:
لما نودي موسى أجاب سريعا وهو لا يدري من دعاه فقال: إني أسمع كلامك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك. فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه فأيقن بأن المنادى هو اللّه تعالى. وأيضا لما سمعه من جميع الجهات بحيث لا يتفاوت سماعه من بعض الجهات على سماعه من الجهات الأخر علم بذلك أنه ليس بكلام المخلوقين وعلم ذلك أيضا بسماعه ذلك الكلام، وأنه لما رأى النار في الشجرة