حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 604
واللسان بذكره. وقيل: «لذكري» لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن اذكرك بالثناء أو لذكري خاصة لا ترائى بها ولا تشوبها بذكر غيري. وقيل: لأوقات ذكري وهو مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «من نام عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى عبارة عن الاشتغال بعبادته باللسان والجنان والأركان، فكأنه قيل: أقم الصلاة لتكون بملابستها ذاكرا لي، ويكون من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله على تقدير أن يكون المعنى:
لأني ذكرتها في كل كتاب ولم أخل منها شريعة وأمرت بها كل أمة. وكذا على تقدير أن يكون المعنى: لأن أذكرك بالمدح والثناء كما قيل في تفسير قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45] أي ذكر اللّه العبد أكبر من ذكر العبد إياه، والفرق بينهما أن المذكور على الأول هو الصلاة وعلى الثاني هو العبد. قوله: (لأوقات ذكري) على أن تكون اللام في قوله تعالى: لِذِكْرِي لام التاريخ بمعنى «في» كما في قوله تعالى: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: 24] أي قدمت الخيرات أو الطاعات في أوقات حياتي في الدنيا. ولام التاريخ لا تدخل إلا على الوقت ظاهرا أو مقدرا، فلذلك قال: «لأوقات ذكري» أي صلاتي.
قوله: (أو لذكر صلاتي) إما على تقدير المضاف أو على أن يكون المضاف ذكر اللّه مجازا عن ذكر الصلاة على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب، فإن ذكر الصلاة سبب لذكر اللّه تعالى فيكون المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتها بعد نسيانها أي إن نسيت صلاة فاقضها إذا ذكرتها. وقد نقل هذا التفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال الواحدي: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها أو لم تكن. وهذا قول عامة المفسرين. وروي ذلك مرفوعا وذكر بإسناد عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن النبي عليه الصلاة والسّلام قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غيره» وقرأ «أقم الصلاة لذكري» . رواه مسلم قال الخطابي: هذا الحديث يحتمل وجهين: أحدهما أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة ولا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر، وكما تلزم المحرم إذا ترك شيئا من نسكه فدية من دم أو طعام، وليس عليه إلا أن يصلي ما ترك فقط. قال أبو حنيفة: من فاتته صلوات يجب الترتيب في قضائها ما لم تزد على صلاة يوم وليلة. واحتج عليه بقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي لتذكرها واللام بمعنى عند كما في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: 78] أي عند دلوكها، فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها وذلك يقتضي رعاية الترتيب. كذا ذكره الإمام.
وقوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ كالتعليل للأمر بالعبادة وإقامة الصلوات وإعلام بأن القيامة التي هي موعد جزاء الأعمال آتية، وأن كل امرئ مجزى بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.