حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 608
قالَ أَلْقِها يا مُوسى (19) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (20) قيل: لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت. فلذلك سماها «جانا» تارة نظرا إلى المبدأ وثعبانا مرة باعتبار المنتهى و «حية» أخرى بالاسم الذي يعم الحالين. وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال: كَأَنَّها جَانٌ [النمل: 10؛ القصص: 31]
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ فإنه لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها. سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (21) هيئتها وحالتها المتقدمة. وهي فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابها على نزع الخافض أو على أن «أعاد»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تم الجواب لأنه سئل بما تلك عن حقيقة ما في يده وماهيته الموجودة، فلما قال: هِيَ عَصايَ تم الجواب فلم ذكر منافعها مفصلا ومجملا؟ وتقرير الجواب أنه عليه الصلاة والسّلام فهم أن هذا السؤال لا للاستفهام لأنه تعالى منزه عن ذلك بل المقصود منه أن يتذكر ويستحضر حقيقتها وما يعلم من منافعها وقوله: «علم أن ذلك آيات باهرة» جواب «إذا» في قوله: «حتى إذا راها» وقوله: «فذكر حقيقتها» عطف على قوله: «فهم أن المقصود» وقوله:
«قيل لما ألقاها» جواب عما يقال: كيف ذكر الذي انقلب إليه العصا بألفاظ مختلفة وهي الحية والثعبان والجان، فإن الحية وإن كان اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير إلا أن الجان والثعبان متباينان، فإن الثعبان أكبر ما يكون من الحيات والجان الحية الصغيرة الخفيفة السريعة الحركة، والسعي المشي بسرعة وخفة حركة. قيل: إنه لما ألقاها فإذا هي أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون تمشي سرعة ولها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعا صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا لها وعيناها يتقدان كالنار، تمر بالصخرة العظيمة مثل الحقة من الإبل فتبتلعها، وتطعن بنابها في أصل الشجرة العظيمة فتقتلعها وتهتز فيسمع لها صريف عظيم. فلما عاين موسى ذلك أخذه من الفزع ما يأخذ البشر عند الأهوال والمخاوف فهرب فعارضه ملك فقال: أما تستحيي من ربك يكلمك وتهرب؟ فرجع. ولعل الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الزمان وهو أول زمان الوحي وتحمل الرسالة أن يشاهد انقلابها أولا ويزول ما يطرأ للطبيعة البشرية من الخوف والفزع الحاصل بمعاينة مثل ذلك حتى لا يطرأ عليه الخوف بمشاهدة ذلك عند فرعون. قوله:
(تجوز بها للطريقة) يعني أن بناء السيرة في الأصل لنوع من السير، ثم اتسع فيها فعبر بها عن المذهب والهيئة مطلقا. وذكر أولا أن «سيرتها» منصوب على أنه مفعول به غير صريح أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى. وثانيا أنه مفعول به صريح على أنه مفعول ثان لقوله: «نعيد» لأن عاد لما كان متعديا إلى واحد عدى بالهمزة إلى ثان. وثالثا أنه ظرف أن سنعيدها في الهيئة التي كانت عليها قبل. ورابعا أنه مفعول مطلق لفعله المقدر. فعلى هذا الوجه يكون