فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 610
القصة أي دللنا بها أو فعلنا ذلك لنريك. و «الْكُبْرى» صفة «آياتِنَا» أو مفعول «نريك» و «مِنْ آياتِنَا» حال منها
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة إِنَّهُ طَغى (24) عصى وتكبّر
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) لما أمره اللّه بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره، ويفسح قلبه لنحمل أعبائه والصبر على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي دللنا بها أو فعلنا ذلك) نشر على ترتيب قوله: «أو بما دل عليه الآية أو القصة» أي خذ هذه الآية بعد الآية التي هي قلب العصا حية، أو دللنا بها أو فعلنا ما فعلنا بك من ندائك واستماع كلامي إياك واختيارك للنبوة، وإظهار المعجزة القاهرة لك لِنُرِيَكَ بعض آياتِنَا الْكُبْرى أو (لنريك الآية الكبرى) حال كونها من آياتنا، على أن يكون «الكبرى» مفعولا ثانيا «لنريك» و «من آياتنا» حال منها. وعلى الأول يكون المفعول الثاني وهو ضعيف لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون. أما العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الشجر والحجر، ثم عودها بعد ذلك عصا كما كانت فهي أعظم قطعا. فلا بد أن يكون المعنى خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى، أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا، أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك، فلا دلالة على كون اليد كبرى بالنسبة إلى العصا. ثم إنه تعالى لما أظهر له هذه الآيات عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون وبيّن العلة في ذلك بأنه طغى أي جاوز حد العبودية بدعوى الربوبية، ثم جاوز اللعين الحد في تلك المجاوزة حيث لم يقنع بدعوى المشاركة فيها حتى قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: 24] روي عن وهب أنه قال:
قال اللّه تعالى لموسى عليه الصلاة والسّلام: استمع لما يوحى من كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، وإنك بعيني وسمعي وإنك معك يدي وبصري، وأني ألبسك جبة سلطاني تستكمل بها القوة في أمري، أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي ونسي شكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي. أقسم بعزتي لولا الحجة والعهد الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وأدعه إلى عبادني وحذره من نقمتي، وقل له قولا لينا لا يغترر بلباس الدنيا ناصيته بيدي ولا يطرف ولا ينعس إلا بعلمي. فكلّمه كلاما طويلا قال: فسكت موسى عليه الصلاة والسّلام سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال: أجب ربك فيما أمرك فعند ذلك قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه: 25] الآية. قوله: (ويفسح قلبه) أشارة إلى أن المراد بالصدر القلب كما في قوله:
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: 22] وإن كان قد يراد به العضو الذي فيه القلب كما في قوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: 46] ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وأن المراد بشرح القلب توسيعه حتى لا يضيق بسفاهة