حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 667
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا الخطاب لآدم وحواء أوله ولإبليس. ولما كانا أصلي الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر. ويؤيد الأول قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب ورسول فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُ في الدنيا وَلا يَشْقى (123) في الآخرة
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ضيقا. مصدر وصف به ولذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الواقعة إنما كانت قبل نبوته عليه الصلاة والسّلام. ثم اجتباه ربه أي اختاره واصطفاه وتاب عليه بالعفو عنه وهداه إلى التوبة حين قال: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] روي عن النبي عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود عليه الصلاة والسّلام لكان بكاؤه أكثر، ولو جمع ذلك إلى بكاء نوح عليه الصلاة والسّلام لكان بكاء نوح أكثر وإنما سمي نوحا لنوحه على نفسه، ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم عليه الصلاة والسّلام على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر» . قال وهب: إنه لما كثر بكاؤه أمره اللّه تعالى بأن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. فقالها آدم ثم قال: قل لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني وأنت أرحم الراحمين. فقالها آدم ثم قال له: قل سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. قال ابن عباس: هن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. قوله: (ولما كانا أصلي الذرية خاطبهما مخاطبتهم) جواب عما يقال: خطاب اهْبِطا للمثنى وهما آدم وحواء أو آدم وإبليس وما بعده من الخطاب للجمع، فكيف جاز أن يخاطب شخصان بما يخاطب به الجماعة؟ وتقرير الجواب أنهما وإن كانا شخصين معينين في أنفسهما إلا أنهما لما كانا أصلي ما تفرع منهما من الذرية جعلا بمنزلة الجماعة فخوطبا بما يخاطب به الجماعة، فقال: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فإن ذرية آدم وحواء يتعادون لأمر المعاش وكذا ذرية آدم وإبليس يتعادون لاختلال حال كل واحد من نوعي البشر والشياطين بواسطة الآخر، فإن نوع البشر اخرجوا من النعيم المقيم بسبب وسوسة إبليس وأن إبليس طرد من بين المقدسين ومقام العليين بسبب إبائه عن السجود لآدم. وهذا معنى اختلال كل من النوعين بواسطة الآخر.
قوله: (ويؤيد الأول) وهو أن يكون الخطاب لآدم وحواء لإله وإبليس. ووجه التأييد أن خطاب «يأتينكم» لا يدخل فيه إبليس وذريته لأنهم آيسون من رحمة اللّه وملعونون إلى يوم القيامة. قوله: (مصدر وصف به) مبالغة أو بتقدير ذات ضنك يقال: ضنك عيشه يضنك ضناكة وضنكا من باب نصر ينصر. وخلاصة المعنى أن من اتبع كتاب اللّه تعالى ومواعظ