حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 670
الْقُرُونِ أي إهلاكنا إياهم أو الجملة بمضمونها والفعل على الأولين معلق يجري مجرى اعلم ويدل عليه القراءة بالنون. يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ويشاهدون آثار إهلاكهم. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (128) لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة.
لَكانَ لِزامًا لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازما لهؤلاء الكفرة. وهو مصدر وصف به أو اسم آلة سمي به اللازم لفرط لزومه كقولهم: لزاز خصم. وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) عطف على «كلمة» أي ولو لا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم وهو يوم القيامة أو بدر، لكان العذاب لزاما. والفصل للدلالة على استقلال كل منهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو الجملة بمضمونها) أي ويحتمل أن يكون فاعله هذا الكلام الذي بعده وهو كَمْ أَهْلَكْنا الخ بناء على أن المراد لفظه الدال على معناه كما أريد «بآمنوا» في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا [البقرة: 13، 91] اللفظ الدال على معناه لا مجرد لفظه بل باعتبار دلالته على معناه. وهو كثرة ما أهلك من القرون جعله هاديا لهم كما جعل واعظا وزاجرا. و «يمشون» في موضع الحال من الضمير في «لم» والضمير فيه لكفار مكة والمعنى:
إنهم يمشون في مساكن الهالكين من القرون المكذبين في متاجرهم إلى الشام ذاهبين وراجعين ويشاهدون كون منازلهم خرابا بلقعا، فينبغي أن يعتبروا بهم ويجتنبوا عما أداهم إلى عذاب الاستئصال لئلا يحل بهم ما حل بهؤلاء. وقرئ «يمشون» بالتشديد لكثرة ما مشوا في مساكنهم. قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في إهلاكهم بسبب كفرهم بالأنبياء. قوله: (لكان مثل ما نزل بعاد) يريد أن اسم «كان» في قوله: لَكانَ لِزامًا ضمير راجع إلى الإهلاك المدلول عليه بقوله: أَهْلَكْنا على حذف المضاف أي لكان مثل إهلاكنا إياهم لازما لهؤلاء الكفرة: إما على أن «لزاما» مصدر لازم وصف به أو اسم آلة على أنه فعال بمعنى مفعل سمي به اللازم تشبيها له بآلة اللزوم في فرط اللزوم، فإن اللازم لا ينفك عن الملزوم كما أن الآلة لا تنفك عما جعلت آلة له. وكون فعال بمعنى مفعل وإطلاقه على الفاعل مثل قولهم:
فلان لزاز خصم أي ملح شديد الخصومة يقال: لزه يلزه لزا ولزازا أي شده ولصقه، ورجل ملز أي شديد الخصومة لزوم لما طلب، ولاززته أي لا صقته. قوله: (عطف على كلمة) فيكون الكلام على التقديم والتأخير، وأشار إليه بقوله: «لو لا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى» الخ لكان العذاب لزاما. ثم بيّن نكتة الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بتوسط جواب «لو لا» بقوله: «والفصل للدلالة» الخ ثم إنه لا شك في أن الكلمة إخبار اللّه تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ أن أمة محمد وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال. واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد عليه الصلاة والسّلام؛