حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 9
أمر النبي عليه السلام ويثقون لقولهم، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفارا. وقرأ حفص «نُوحِي» بالنون. وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (8) نفي لما اعتقدوا أنها من خواص الملك عن الرسل تحقيقا لأنهم كانوا أبشارا مثلهم. وقيل: جواب لقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ «وَ ما كانُوا خالِدِينَ» تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتعلق بالاعتقادات بما تقول الكفرة. فإن اليهود والنصارى وإن أنكروا نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليه الصلاة والسّلام إلا أنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا. ثم إنهم لما كانوا يوافقون المشركين في معاداته عليه الصلاة والسّلام كان المشركون لا يكذبونهم فيما قالوا في حق الرسل. وإما لأنه لا فرق بين المؤمنين والكفار في حصول العلم بخبرهم إذا بلغ حد التواتر.
قوله: (وقرأ حفص نوحي بالنون) أي بنون العظمة مبنيا للفاعل أي نوحي نحن. والباقون بالياء وفتح الحاء مبنيّا للمفعول، وهذه الجملة في محل النصب على أنها صفة «لرجالا» قوله: (نفي لما اعتقدوا أنها) أنّث العائد إلى ما لكونها عبارة عن الخاصة فإن عدم الاحتياج إلى الطعام. والخلود بمعنى عدم طريان الموت من خواص الملائكة نفاها عن الرسل تحقيقا لكونهم أبشارا جمع بشر مثلهم وإبطالا لزعم أن البشرية تنافي الرسالة، فإن نفي الخاصة اللازمة للملكية يستلزم نفي الملزوم فتحقق كونهم أبشارا مثلهم.
قوله: (وقيل جواب) عطف على قوله: «نفي لما اعتقدوا» . وتوضيح هذا القول أن الكفرة كانوا يطعنون في الرسالة بأشياء منها قولهم: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 94] وقولهم: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء: 3] فألزمهم اللّه تعالى بأن الرسل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر، وأن رسالتهم صحت بما أظهر اللّه تعالى على أيديهم من الخوارق والمعجزات فلما صحت رسالتهم بذلك فقد صحت رسالة سيد المرسلين بما يظهره اللّه تعالى على يديه من الآيات الباهرة فلا يعاب عليه بكونه بشرا. ومنها قولهم:
إن الذي يدّعي الرسالة يأكل الطعام ويشرب وينكح ويمشي في الأسواق كغيره من الناس كما أخبر اللّه تعالى عنهم ذلك بقوله: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] ونحوه فألزمهم وأخبرهم أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا يأكلون الطعام ويشربون ويمشون في الأسواق ويقضون حوائجهم فقال: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ أي في الدنيا. وقال في آية أحرى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: 38] فعلى ذلك هذا الرسول المبعوث إليكم كسائر الرسل الذين كانوا من قبل ممن كان يأكل ويشرب وينكح، وأنه بشر وهو رسول كسائر الرسل. ولم يرض المصنف بهذا التأويل لأن جعل الكلام أجنبيا عما سيق له الكلام مع إمكان ربطه