حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 51
الْقَوْمِ رعته ليلا وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين.
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ الضمير للحكومة أو للفتوى قرئ «فأفهمناها» . روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بهما، فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث فينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان. ولعلهما قالا اجتهادا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رعته ليلا) النفش أن تنتشر الغنم ليلا وترعى بلا راع، من باب دخل وضرب جميعا، وأنفشها صاحبها إذا تركها ترعى. كذلك قال الشاعر:
فما لها الليلة من أنفاش
قال المفسرون: دخل رجلان على داود عليه الصلاة والسّلام وعنده ابنه سليمان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فلم تبق منه شيئا. فقال: لك رقاب الغنم. فقال سليمان: غير هذا أرفق بهما، ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها وتقوم أصحاب الغنم على الحرث حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم ودفع هؤلاء إلى هؤلاء حرثهم، فقال داود: القضاء ما قضيت، وحكم بذلك. وأكثر المفسرين على أن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان زرعا. كذا في البسيط. وجمع الضمير في «حكمهم» لكونه عبارة عن الحاكمين والمتحاكمين وهو يستلزم إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة، وهو إنما يضاف إلى أحدهما فقط لأن إضافته إلى الفاعل على سبيل القيام به، وإضافته إلى المفعول على سبيل الوقوع عليه، فهما معمولان مختلفان فلا يكون اللفظ الواحد مستعملا فيهما معا. وأيضا أنه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن إضافته إلى الفاعل حقيقة وإلى المفعول مجاز فالجواب: أن هذه الإضافة لمجرد الاختصاص مع قطع النظر عن كون المضاف إليه فاعلا أو مفعولا على طريق عموم المجاز كأنه قيل: كنا شاهدين للقضية الواقعة بينهم من إصابة أحد الحاكمين وخطأ الآخر واستيفاء كل واحد من المتحاكمين حقه على النهج المستقيم. قوله: (ولعلهما قالا اجتهادا) فإن بعض العلماء قال بجواز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين لعموم قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: 2] والأنبياء أئمة أولي الأبصار وأفضلهم فكيف لا يجوز لهم الاعتبار؟ مع أن الاستنباط أرفع درجات العلماء، فوجب أن يكون للأنبياء نصيب منه وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منهم في هذا الباب. ويدل عليه أيضا قوله عليه الصلاة والسّلام: «العلماء