حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 52
والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني، والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة للعبد المغصوب إذا أبق. وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا. وكذلك قضى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما دخلت ناقة البراء حائطا وأفسدته فقال: «على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورثة الأنبياء» فيستلزم أن تكون درجة الاجتهاد ثابتة للأنبياء ليرث العلماء عنهم ذلك. ومنهم من لا يجوّز لهم الحكم بالاجتهاد ويقول: إنهم مستغنون عنه بالوحي فإن الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، والنص ليس بمفقود في حق الأنبياء فلا يجوز لهم الاجتهاد عند أكثر العلماء، بخلاف أهل السنة فإنهم يجوّزون لهم الحكم بالاجتهاد فجاز أن يجتهدوا. ويكون اجتهاد سليمان أشبه بالصواب، فيرجع أبوه داود إلى اجتهاده قبل الحكم باجتهاد نفسه لأن الحكم الواقع بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر. ويجوز أن يكون الثاني وحيا وحينئذ ينقض الحكم بالاجتهاد. وقيل: حكما جميعا بالوحي إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان.
واختار المصنف أنهما حكما بالاجتهاد لا بالوحي لأنهما لو حكما بالوحي لما اختص سليمان بقوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ بخلاف ما إذا قالا بالاجتهاد وكان اجتهاد سليمان صوابا أو أصوب، فإنه يجوز أن يقال في حقه فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ولما كان الاجتهاد في نفسه مفتقرا إلى العلم ولا يصح بدونه قيل: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وقيل: لو كانا بالاجتهاد لما نقض حكم سليمان حكم داود لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد فتعيّن أنهما كانا بالوحي.
والجواب ما مر من أنهما اجتهدا وكان اجتهاد سليمان أشبه بالصواب، فرجع داود إلى اجتهاده قبل الحكم باجتهاد نفسه. فقد روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بين الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى. وروي أن داود ناشده وقال له: بحق البنوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أوفق بالفريقين؟ فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث الخ.
قوله: (والأول) أي حكم داود بالغنم لصاحب الحرث نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني: أنه إذا جنى على النفس يدفعه المولى إلى ولي الجناية أو يعطى أرش الجناية. فإن موجب جناية العبد عنده صيرورة العبد جزاء جنايته، قلّت الجناية أو كثرت وللمولى أن يختار الفداء بالأرش. فكذا الحال في حادثة الحرث فإن الغنم فيه بمنزلة العبد الجاني فكانت نفس الغنم جزاء لجنايتها. وقال سليمان: لا يزال ملك المالك عن الغنم بل يحال بينه وبين ملكه بأن يدفع الغنم إلى أهل الحرث لينتفعوا بها بإزاء ما فات عنهم من الانتفاع بالحرث إلى أن يزول ما طرأ على الحرث من النقص والضرر ويصير كما كان. ونظيره قول الإمام الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق من يده فإنه يوجب على الغاصب غرم الحيلولة ويقول: إنه