حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 61
وهزال. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفا في السؤال. وكان روميا من ولد عيص بن إسحق استنبأه اللّه وكثر أهله وماله فابتلاه ربه بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة أو سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات. روي أن امرأته ماخر بنت ميشا بن يوسف أو رحمة بنت أفراثيم بن يوسف قالت له يوما: لو دعوت اللّه. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصبر، فصبر ولم يجزع واسترجع وفوّض الأمر إلى مالك الملك. وقيل: لما سمع بهلاك أهله وأولاده رق قلبه وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني، فتدارك الأمر من ساعته فندم على ما فعل واستغفر وتاب.
ثم ابتلاه اللّه تعالى بالمرض في بدنه حتى خرج من قرية إلى قرية بثآليل مثل آليات الغنم ووقعت فيه حكة لا يملكها، فكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى إذا لم يجد منها شيئا حكها بالفخار والحجارة الخشنة. ثم تقطع لحمه ونغير وانتن فأخرجه أهل القرية منها وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا هناك ورفضه الناس كلهم خوفا من العدوى إلا امرأته، فهي التي كانت تصلح أموره وتختلف إليه بما يهمه ويحتاج إليه. قيل: إن إبليس لما رأى أن أيوب عليه الصلاة والسّلام كلما اشتد عليه أنواع المكاره والبلايا لم يزدد بذلك إلا صبرا وحمدا للّه، انطلق حتى أتى أمرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة اللّه؟ قالت: هو ذاك المقروح الذي تتردد الديدان في جسده. فلما سمع منها هذه الكلمة طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعيم والمال، وذكرها جمال زوجها أيوب وشبابه فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت وأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذه أيوب لي فيبرأ. فجاءت إلى أيوب تصرخ فقالت: يا أيوب إلى متى يعذبك ربك ألا يرحمك؟ أين المال أين الماشية أين الولد أين الصديق أين اللون الحسن أين جسمك الذي قد بلي وصار مثل الرماد وتردد فيه الديدان؟ اذبح هذه السخلة لإبليس واسترح. قال أيوب عليه الصلاة والسّلام: إياك وعدو اللّه ونفخ فيه فأخنسه ترين ما ابتلينا به من البلايا ولا تذكرين ما كنا فيه من الرخاء، فكم متعنا اللّه تعالى بنعمائه؟
قالت: ثمانين سنة. قال: فكم مدة ابتلائنا بهذا البلاء؟ قالت: سبع سنين وأشهرا. قال:
ويلك ما أنصفت ربك إلا صبرت في البلايا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة. واللّه لئن شفاني اللّه لاجلدنك مائة جلدة أمرتني أن أذبح لغير اللّه وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك الذي تاتينني به. فطردها فذهبت. فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خرّ ساجدا وقال: رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ