حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 65
عنهم قبل أن يؤمر وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك. وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم؟ ثم أوحى تعالى إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه إليهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد، فأتاهم يونس وقال لملكهم: إن اللّه تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل. قالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا، وقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا اللّه عنكم. فطاف بهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه، فأوحى اللّه تعالى إليه قل لهم: إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب، فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم. فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين عندهم فقالوا: انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال. فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشية فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها دوابهم ولا غنمهم وعزلوا كل والدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات. ثم قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح رأوا العذاب نزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان ونعقت الأغنام والبقر، فرفع اللّه العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل. فعلى هذه الرواية كانت رسالة يونس بعد نبذ الحوت، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات:* فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 145 - 147] وأكثر العلماء على أن قصة الحوت وذهاب يونس مغاضبا إنما وقعت بعد أن أرسله اللّه إليهم وبعد أن رفع العذاب عنهم بسبب توبتهم وإخلاصهم في الدعاء. وذكر المصنف في سبب خروجه وغضبه أمرين: الأول أنه غضب عليهم لطول ما ذكرهم وأقاموا على كفرهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا للّه وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصبر وينتظر الإذن من اللّه تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت. والثاني أنه لما أخبر قومه أن اللّه تعالى ينزل العذاب بهم لأجل معلوم وفارقهم ثم بلغه بعد مضي الأجل أنه تعالى لم يعذبهم ولم يعلم لأي سبب لم يعذبهم، فخشي أن ينسب إلى الكذب ويعير به فقال: لا أرجع، إلى قومي كذابا، فذهب مغاضبا للرجوع إليهم كارها له. والغضب والكراهة وإن كان من قبله خاصة إلا أنه أخرج على بناء المفاعلة للدلالة على كمال غضبه والمبالغة فيه لأن أكثر استعمال بناء المفاعلة في المبالغة، ولا شك أن ما صدر بطريق المبالغة يكون أتم. ويحتمل أن يكون البناء على بابه من باب المشاركة من حيث إنه أغضب قومه حين لم يؤمنوا بدعوته وأصروا على الكفر مدة، وأغضبوا إياه حين خرج من بينهم لخوفهم لحقوق العذاب بهم عند خروجه من بينهم.