حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 74
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال عليه الصلاة والسّلام: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» . فأنزل اللّه إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: 101] الآية وعلى هذا يعم الخطاب ويكون «ما» مؤولا ب «من» أو بما يعمه ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون اللّه؟ فقال عليه الصلاة والسّلام: «بل لكل من عبد من دون اللّه» . ويكون قوله: «إن الذين» بيانا للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب حَصَبُ جَهَنَّمَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما يحصل يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد أن يكونا متقارنين، فالجواب أن التفاوت القليل يجري مجرى العدم. قوله: (يحتمل الأوثان) أي يعمها ادّعى أن ما يعم العقلاء وغيرهم واستدل عليه بأنه عليه الصلاة والسّلام لم يرد على ابن الزبعري في تعميمه ما تعبدون للعقلاء بل سلم له ذلك وأجابه بوجه آخر، إلا أن جوابه محل تأمل لأنه لا ينفي كون اليهود وأخواتهم عبدوا هؤلاء المكرمين وإنما يدل على أنهم عبدوا الشياطين بإطاعتهم الشيطان فيما أمرهم به من عبادة هؤلاء المكرمين، فكيف صلح جوابا عن قول ابن الزبعري؟
ويمكن أن يقال: من عبد من غير أن يستحق العبادة لذاته ومن غير أن يأمر بها ويحب ويرضى أن يعبد لا يكون معبودا في الحقيقة، وإنما يكون معبودا صورة ومجازا ويكون المعبود في الحقيقة من أمر بذلك، لأن العبادة عبارة عن الطاعة والانقياد وليس ذلك إلا لمن أمر بها. فلذلك نفى عليه الصلاة والسّلام دخول هؤلاء المكرمين تحت قوله: وَما تَعْبُدُونَ فقال: «بل هم عبدوا الشياطين» . قوله: (وعلى هذا) أي على تقدير أن يحمل «ما تعبدون من دون اللّه» على ما يعم الأوثان وغيرها يكون الخطاب في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ متناولا للمشركين وغيرهم كاليهود والنصارى وبني مليح وهم بطن من خزاعة قالوا: صاهر اللّه تعالى سروات الجن فولدت له الملائكة بخلاف ما إذا حمل ما تعبدون على الأصنام خاصة، فإن الخطاب يخص المشركين.
قوله: (أليس اليهود عبدوا عزيرا) لا وجه لسؤال ابن الزبعري لأن كلمة «ما» تتناول من يعقل فقوله تعالى: وَما تَعْبُدُونَ لا يتناول الملائكة فإن الملائكة من العقلاء بل يقتصر على الأصنام لكنه عليه الصلاة والسّلام جاراه وألزمه بوجه آخر تنبيها على أن لدفع شبهته طرقا متعددة. قوله: (بيانا للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب) الأول على تقدير أن يكون المقصود من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: 101] بيان