حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 88
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ من إمكانه وكونه مقدورا.
وقرئ «من البعث» بالتحريك كالجلب. فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيج ريبكم فإنّا خلقناكم. مِنْ تُرابٍ إذ خلق آدم منه والأغذية التي يتكون منها المني. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مني. من النطف وهو الصب. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قطعة من الدم جامدة. ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ قطعة من اللحم. وهي في الأصل قدر ما يمضغ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة، أو مصورة وغير مصورة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغيير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى. وإن من قدر على تغييره وتصويره أولا قدر على ذلك ثانيا. وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أن نقره إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه آخر أربع سنين. وقرئ «ونقر» بالنصب. وكذا قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا عطفا على «نبين» كأن خلقهم مدرجا لغرضين: تبيين القدرة وتقريرهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحته بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ الآية قيل: تحريك الوسط في كل ما كان فيه العين من حروف الحلق قياس مطرد كالشعر والنهر. وقيل: ليس بقياس بل هما لغتان بمعنى كالجلب والجلب والطرد والطرد فيتوقف على السماع. ثم إنه تعالى ذكر في مراتب النشأة الأولى ومباديها سبعة أمور: الأول التراب فإنه مبدأ لجميع الأفراد الإنسانية إما بواسطة كونه مبدأ لأصلهم آدم عليه الصلاة والسّلام، أو بواسطة الغذاء. وكونه مبدأ للمني ودم الطمث فإنه إما حيواني أو نباتي وغذاء الحيوانات ينتهي إلى النبات قطعا للتسلسل. والنبات إنما يتولد من الأرض والماء فصح قول: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ على كل واحد من الاعتبارين. فقوله: «فانظروا في بدء خلقكم» الخ. إشارة إلى أن قوله تعالى:
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ ليس جزاء في الحقيقة لكنه أقيم مقام الجزاء من حيث كون الإخبار به سببا مؤديا إلى النظر في مضمونه الذي هو مزيل لريبهم. والمرتبة الثانية النطفة وهي ماء الفحل فإن قلب التراب اليابس ماء رطبا لطيفا مبني على قدرة باهرة لا يبعد عنها إعادة الموتى.
والمرتبة الثالثة العلقة وهي قطعة الدم الجامدة ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. والمرتبة الرابعة المضغة وهي اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. والمرتبة الخامسة ما ذكره بقوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا والسادسة ما ذكره بقوله تعالى: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ والسابعة ما ذكره بقوله: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وقسم المضغة إلى المخلقة وغير المخلقة أي إلى المسواة الملساء المنزهة عن العيب، يقال: صخرة خلقاء أي ملساء لا عيب فيها، وخلقت السواك أي سويته وملسته. وقيل: المخلقة هي التي تم وكمل خلقها بنفخ الروح