حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 90
بالياء و «نقر» من قررت الماء إذا صببته. و «طفلا» حال أجريت على تأويل كل واحد أو الدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ كمالكم في القوة والعقل. جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى عند بلوغ الأشد أو قبله. وقرئ «يتوفى» أي يتوفاه اللّه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ الهرم والخرف. وقرئ بسكون الميم. لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر من عرفه. والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره.
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رمادا. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت بالنبات وَرَبَتْ وانتفخت. وقرئ «ربأت» أي ارتفعت وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ من كل صنف بَهِيجٍ (5) حسن رائق. وهذه دلالة ثالثة كررها اللّه تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة.
ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به يتحقق الأشياء. وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيى النطفة والأرض الميتة. وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) لأن قدرته لذاته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحت وكسر القاف ونصب الراء أي ويقر اللّه تعالى، وهو من قر الماء إذا صبه. وقرأ يعقوب في رواية و «نقر» بفتح النون وضم القاف ورفع الراء، من قر الماء يقره إذا صبه وقوله:
«كمالكم في القوة والعقل» يعني أن الأشد كمال القوة في الحواس والقوى والجوارح كلها وهو فيما بين الثلاثين والأربعين. وقيل: من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى ست وثلاثين سنة. قوله تعالى: (لِكَيْلا يَعْلَمَ) متعلق بقوله: «يُرَدُّ» فإن قيل: كيف قال:
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟ أجيب بأن المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا فإن مثل ذلك قد يذكر في مقام نفي العقل للمبالغة.
قوله: (تحركت بالنبات) الاهتزاز الحركة الواقعة على البهجة والسرور فلا يقال: اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان ذلك الأمر من المحاسن والمنافع. قيل: الأصل اهتز وربا نباتها فحذف المضاف وأسند كل واحد من الفعلين إلى نفس الأرض، فمن قرأ «ربت» فمعناه الزيادة من أي جهة كانت ومن قرأ بالهمزة فسره بقوله: «ارتفعت» وزادت من جهة العلو.
وقوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ يحتمل أن يكون معطوفا على المجرور بالباء وأن يكون خبر مبتدأ محذوف حذف لدلالة المقام عليه والتقدير: والأمر أن الساعة آتية ولا رَيْبَ فِيها