حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 132
لَطِيفٌ يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق خَبِيرٌ (63) بالتدابير الظاهرة والباطنة
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُ في ذاته عن كل شيء الْحَمِيدُ (64) المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم وَالْفُلْكَ عطف على «ما» أو على اسم «أن» . وقرئ بالرفع على الابتداء. تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ حال منها أو خبر. وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. إِلَّا بِإِذْنِهِ إلا بمشيئته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى أن تسأل تخبرك الرسوم لأن ما بعد الفاء إنما ينتصب إذا كان المستفهم عنه سببا له. وفيما نحن فيه لا يصح أن يجعل تقدير الكلام أن ترى إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة، لأن رؤية المخاطب ليست سببا لاخضرار الأرض، وأن اخضرارها ليس مرتبا على رؤية المخاطب ذلك بل هو مرتب على نفس الإنزال. ولما كان انتصاب المضارع بعد الفاء في جواب الأشياء الستة مبنيا على صحة تقدير إن فعلت فعلت، ولما لم يصح هذا التقدير في الآية لم يجز نصب قوله: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً.
قوله: (يصل علمه أو لطفه) الأول مبني على ما قيل: اللطيف العالم ببواطن الأشياء والثاني على ما قيل: إنه الرفيق في أفعاله. وقيل: اللطيف من تدق حكمته فيما يفعل ويحكم، والخبير العالم بمصالح الخلق ومنافعهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. قوله: (لهو الغني في ذاته عن كل شيء) والمعنى أنه تعالى خلق ذلك منقادا له غير ممتنع من التصرف فيه واختص جميع ذلك به خلقا وملكا لا لاحتياجه إلى شيء منه، فإنه كامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور. لكنه لما خلق الناس ليعرفوه ويخصوه بالتعظيم والإجلال ويستعدوا بذلك للسعادة الأبدية، واقتضت الحكمة احتياجهم في تعيشهم إلى بركات السموات والأرض خلق هذه الأشياء رحمة لهم وإنعاما عليهم لا لمنفعة تعود إليه، فلا جرم كان حميدا مستحقا للحمد. فظهر بذلك كمال قدرته وعلو شأنه وكبريائه وعظم رحمته وإحسانه تبارك اللّه رب العالمين. قوله: (حال منها) أي من الفلك على تقدير كونها عطفا على «ما» وقوله: «أو خبر» على تقدير كون الفلك عطفا على اسم «أن» أو مرفوعا على الابتداء وجريان الفلك. وإن كان مسندا إلى كون الماء والريح على الحالة الملائمة لجريانها إلا أن تلك الحالة لما ثبتت لها بأمره تعالى وتكوينه نسب جريها إلى أمره تعالى، فإن ذلك أنسب لعظمته وكمال قدرته. قوله: (من أن تقع أو كراهة أن تقع) فيكون «أن تقع» على الأول في محل النصب بنزع الخافض أو في محل الجر على إرادته. وعلى الثاني يكون في محل النصب على أنه المفعول من أجله. فالبصريون يقدرون كراهة «أن تقع»