حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 133
وذلك يوم القيامة. وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار.
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم جمادا عناصر ونطفا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ إذا جاء أجلكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في الآخرة إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66) لجحود للنعم مع ظهورها
لِكُلِّ أُمَّةٍ أهل دين جَعَلْنا مَنْسَكًا متعبدا أو شريعة تعبدوا بها. وقيل: عيدا هُمْ ناسِكُوهُ ينسكونه. فَلا يُنازِعُنَّكَ سائر أرباب الملل فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والكوفيون يقدرون «لئلا تقع» . وهذا الخلاف مبني على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم أو لا؟ فمن منع ذلك ذهب إلى أن التأويل الثاني هو الصحيح، ومن جوّزه ذهب إلى الأول. والظاهر أن قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو لا يقع في الكلام الموجب إلا أن قوله: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ في قوة النفي فلذلك جاز فيه التفريغ، إذ التقدير ولا يتركها تقع في حال من الأحوال إلا في حال كونها ملتبسة بأمره. قوله: (متعبدا) أي مألفا يألفونه إما مكانا معينا أو زمانا معينا لأداء الطاعات أو شريعة أو منهجا كلفوا بها. روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: أن المنسك شريعة لهم أو شريعة عاملون بها. ويؤيده قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: 48] وروي عنه أيضا أنه قال: عيدا يذبحون فيه. وقيل: قربانا يذبحونه.
وقيل: موضع عبادة. قيل: القول بأن المنسك هو الشريعة أولى لأنه مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الاسم على كل عبادة لا وجه للتخصيص ببعضها ولا وجه لحمله على موضع العبادة ووقتها، لأن قوله ناسكوه أليق بالعبادة فيه بالوقت والمكان لأن المنسك لو لم يكن مصدرا بل كان اسم مكان أو زمان لقيل هم ناسكون فيه لأن الفعل لا يتعدى إلى ضمير الظرف إلا بكلمة «في» غالبا إلا أن يتسع في الظرف فيجري مجرى المفعول به فيتعدى الفعل إلى ضميره بنفسه كقوله:
ويوم شهدناه سليما وعامرا
أي شهدنا فيه. وقوله: ومشرب أشربه أي أشرب فيه. فإن قيل: لم جاء نظير هذه الآية معطوفا بالواو فيما تقدم وهذه بغير واو؟ قلنا: لأن تلك وقعت بعدما يناسبها ويدانيها من الآي الواردة في أمر النسائك فعطفت على أخواتها. وأما هذه فواقعة مع الأباعد أي بعد الآي المتباعدة عن معناها، فلم تجد ما تعطف هي عليه فإنه تعالى ذكر ثواب المهاجرين في الآخرة ثم بيّن أنه مع ذلك ينصرهم في الدنيا أيضا على من بغى عليهم، ثم بيّن قدرته على