حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 139
عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ على خلق الممكنات بأسرها عَزِيزٌ (74) لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يدعونها عجزة عن عقلها مقهورة من أزلها.
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي وَمِنَ النَّاسِ يدعون سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم، كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها بيّن أن له عبادا مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والاقتداء بهم إلى عبادة اللّه سبحانه وتعالى وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن عداه من الموجودات تقريرا للنبوة وتزييفا لقولهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] والملائكة بنات اللّه ونحو ذلك. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) مدرك للأشياء كلها.
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ عالم بواقعها ومتوقعها وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) وإليه مرجع الأمور كلها لأنه مالكها بالذات لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسألون.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا في صلاتكم. أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام أو صلوا. وعبّر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها وأخضعوا للّه وخروا له سجدا. وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بسائر ما تعبدكم به.
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) أي افعلوا هذه كلها وأنت راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم. والآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولقوله عليه الصلاة والسّلام: «فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأهما» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا أنه يسمى مطلوبا على طريق الحذف أيضا والإيصال. قوله: (تقريرا للنبوة وتزييفا لقولهم) هو علة لقوله: «بيّن أن له عبادا مصطفين» مختارين. قرر النبوة باصطفائه بعض الناس للرسالة وزيف طريق من عبد غير اللّه تعالى من الملائكة بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا بعدما أبطل قول من عبد الأوثان في الآية المتقدمة. فالمقصود من هذه الآية إبطال قول عبدة الملائكة وبيان أن علو درجتهم ليس من حيث كونهم آلهة يستحقون العبادة، بل من حيث إنهم عباد مكرمون اصطفى منهم رسلا يتوسطون بينه وبين الأنبياء عليهم السّلام. قيل:
ويحتمل أن يكون المراد باصطفاء الملائكة أنه تعالى يختار من الملائكة رسلا إلى الملائكة في بعض ما كلفهم به من أنواع العبادات والطاعات، فيبعث منهم إليهم رسلا بتليغ ذلك كما اختار من الإنس إليهم يبعثهم فيما كلفهم به. وفي الآية الشريفة دلالة على أنه تعالى إنما اصطفاهم للرسالة لا لشيء يستوجبون به ذلك ولكن كان ذلك إفضالا منه وإنعاما لهم حيث قال تعالى: