فهرس الكتاب

الصفحة 3457 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 140

وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي للّه ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ، والباطنة كالهوى والنفس. وعنه عليه الصلاة والسّلام أنه رجع من غزوة تبوك فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» حَقَّ جِهادِهِ أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَصْطَفِي لا كما قالت المعتزلة من أنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من كان فيه ما يستحق به ذلك. وقوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي من أمر الدنيا وَما خَلْفَهُمْ أي من أمر الآخرة إشارة إلى العلم التام، وقوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية. ثم إنه تعالى لما قدم ذكر ما يتعلق بالإلهيات ثم ذكر ما يتعلق بالثواب اتبعه بذكر ما يتعلق بالشرائع والأحكام وكلفهم أولا بما هو أجل العبادات وهو الصلاة، أو الجمع بين الركوع والسجود فيها كما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: إن الناس كانوا في أول الإسلام يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: 77] ثم كلفهم بما يتناول الصلاة وغيرها من أنواع العبادات التي يقصد بها التعظيم لأمر اللّه فقال تعالى: وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [الحج: 77] ثم كلفهم بما يتناول خدمة المعبود وتعظيم أمره ويتناول الإحسان إلى خلقه الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق اللّه تعالى من أفعال الخير كصلة الرحم ومكارم الأخلاق، فكأنه تعالى قال: كلفتم بالصلاة ثم كلفتم بما هو أعم منها وهو العبادة ثم كلفتم بما هو أعم منها وهو الخيرات والفلاح الظفر بنعيم الآخرة، وذكره اللّه تعالى بكلمة الترجي لأن الإنسان قلما يخلو في أداء ما كلف به من التقصير فليس هو على تيقن في خروجه من عهدة ما كلف به حتى يتيقن بترتيب الثواب الموعود لمن أتى به. ثم كلفهم رابعا بأن يجاهدوا في اللّه حق الجهاد أي جهادا فيه ولأجله.

وانتصابه على المصدر فحذفت كلمة «في» وأضيفت كلمة الجهاد إلى الضمير على طريق الاتساع كما في قوله:

ويوم شهدناه سليما

من حيث إن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة واختصاص وقد يتحقق كونه حقا باستغراق الطاقة فيه. وأصل المعنى: جاهدوا في اللّه تعالى من أجله جهادا حقا وتوصيف الجهاد بالحق يفيد أن هناك جهادا واجبا، والمطلوب منهم الإتيان بذلك فإذا عكس وأضيف الصفة إلى الموصوف بعد إضافته إلى اللّه تعالى أفاد إثبات جهاد مختص باللّه تعالى، وأن المطلوب القيام بواجبه وشرائطه على وجه التمام والكمال بعد الوسع والطاقة، وهو معنى قوله: وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة فإنه تضاف الصفة إلى الموصوف لتدل على أن المراد به ما هو الكامل في شأنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت