حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 150
والإنسان آدم خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار. وقيل: المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته.
ثُمَّ جَعَلْناهُ ثم جعلنا نسله فحذف المضاف نطفة بأن خلقناه منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء. فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) مستقر حصين يعني الرحم وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل مبالغة كما عبر عنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلالة أي من صفوة مسلولة من طين فتكون ابتدائية كالأولى. واختلف أهل التفسير في الإنسان، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة رضي اللّه تعالى عنهم: المراد آدم عليه الصلاة والسّلام فإنه خلق من طين انسل من كل تربة وخلقت ذريته من ماء مهين فقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناهُ مبني على حذف المضاف أي ثم جعلنا نسله. ويحتمل أن يكون ضمير «جعلناه» للإنسان الذي هو آدم على طريق الاستخدام، فإن لفظ الإنسان اسم شامل لآدم عليه الصلاة والسّلام ولولده فيراد بالإنسان نفس آدم وبضميره ولد آدم ومثله يسمى استخداما في عرف أهل البديع. قوله: (أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات) أي من صفوات مسلولة من الماء والطين وهي الأغذية النباتية التي سل منها الفم والأسنان ثم المعدة ثم الكبد ثم الدماغ. وهو إشارة إلى ما ذكره الإمام بقوله: الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع، وذلك إنما يتولد من الأغذية وهي إما حيوانية أو نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية والنباتية إنما تتولد من صفوة الأرض والماء، فإن الإنسان بالحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين. ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيا. قال: وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكليفات. ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمر بالعبادات في الآية المتقدمة، ومن المعلوم أن الاشتغال بعبادة اللّه تعالى لا يصح إلا بعد معرفته تعالى، فلذلك عقبه بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية وذكر من الدلائل أنواعا: النوع الأول تقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة أطوار أولها كونه سلالة من طين وآخرها ما ذكره اللّه تعالى بقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ وهذه الجملة أعني قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ جواب قسم محذوف أي واللّه لقد خلقنا الإنسان. قوله: (بأن خلقناه منها) لما كان جعل الإنسان نطفة غير معقول إذ المعقول أن تجعل النطفة إنسانا لم يحمل قوله تعالى: جَعَلْناهُ على معنى صيرناه بل حمله على معنى خلقناه وجعل انتصاب «نطفة» بنزع الخافض. قوله: (أو ثم جعلنا السلالة نطفة) أي ثم صيرنا الأغذية المسلولة من الطين نطفة، وقوله تعالى: فِي قَرارٍ متعلق بمحذوف على أنه صفة لنطفة، ويجوز أن يتعلق «بجعلنا» على أن يكون المراد بالقرار صلب الرجل ويكون ضمير «جعلناه» للسلالة ويكون الجعل بمعنى التصيير، فإن جنس الإنسان