حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 186
وقرأ حمزة والكسائي بالكسر استئنافا
قالَ اللّه أو الملك المأمور بسؤالهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار. كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ أحياء أو أمواتا في القبور عَدَدَ سِنِينَ (112) تمييز لكم
قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار أو لأنها كانت أيام سرورهم وأيام السرور قصارا، ولأنها منقضية والمنقضي في حكم المعدوم. فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها، فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها، أو الملائكة الذين يعدون أعمار الناس ويحصون أعمالهم. وقرئ «العادين» بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون ما نقول. والعاديين أي القدماء المعمرين فإنهم أيضا يستقصرون
قالَ وفي قراءة الكوفيين «قل» إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) تصديق لهم في تقالهم.
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا توبيخ على تغافلهم «وعبثا» حال بمعنى عابثين أو مفعول له أي إنّا لم نخلقكم تلهيا بكم وإنما خلقناكم لنعيدكم ونجازيكم على أعمالكم. وهو كالدليل على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ذلك كقوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: 36] لكون الأصنام سببا للإضلال. قوله: (على الأمر) يعني أنهم قرأوا «قل كم لبثتم» على معنى أنه أمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار أن يسأل أهل النار ويقول: كم لبثتم في الأرض أحياء وأمواتا في القبور إلى أن بعثتم؟ و «كم» في موضع النصب على ظرف الزمان أي كم لهم سنة وعدد بدل من كم. قاله أبو البقاء. والصحيح أن عدد سنين هو التمييز، والمقصود من هذا السؤال هو التبكيت والإلزام لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة رأسا ويقولون: لا لبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا بعث بعده. ولما حصلوا في النار وأيقنوا دوامها وخلودهم فيها سئلوا كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ تذكيرا لهم أن ما ظنوه دائما طويلا فهو قليل يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ يحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا ويتيقنون خلافه. فإن قيل: كيف يصح أن يقولوا في الجواب: لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ولا يقع الكذب في الآخرة فالمصنف رحمة اللّه تعالى عليه أشار إلى جوابه بقوله:
«استقصارا لمدة لبثهم فيها» إلى آخره. وقيل: إنهم نسوا قدر لبثهم في الأرض لكثرة ما هم فيه من الأهوال وعظم ما هم بصدده من العذاب. ويدل عليه قولهم: فَسْئَلِ الْعادِّينَ أو لأن المنقضي ليس له قدر في مقابلة الباقي فهو أقل من كل قليل، ولهذا صدقهم اللّه تعالى في استقلالهم تلك المدة حيث قال: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا أي زمانا قليلا أو لبثا قليلا.
وجواب «لو» مقدر أي لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لما أجبتم بهذه المدة.
كذا قاله أبو البقاء رحمة اللّه تعالى عليه يعني أنه تعالى صدقهم في أصل الاستقلال وجهلهم