حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 247
مبالغة في تبكيتهم فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ أي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما حُمِّلَ من التبليغ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من الامتثال وَإِنْ تُطِيعُوهُ في حكمه تَهْتَدُوا إلى الحق وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) التبليغ الموضح لما كلفتم به وقد أدى، وإنما بقي ما حملتم فإن أديتم فلكم وإن سنة وإهلاكهم.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ خطاب للرسول والأمة أو له ولمن معه، و «من» للبيان، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم. وهو جواب قسم مضمر تقديره: وعدهم اللّه وأقسم ليستخلفنهم، أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم. كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة. وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف، والباقون بفتحهما. وإذا ابتدأوا كسروا الألف. وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت.
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الأعداء. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف. أَمْنًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه تعالى لأنه لو كان قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ إلى آخر الآية من كلام الرسول خاطب به قومه لكان الظاهر أن يقول: وأطيعوا اللّه وأطيعوني فإن توليتم فإنما على ما حملت من تبليغ الرسالة وإن تطيعوني تهتدوا وما عليّ إلا البلاغ المبين. فلما ذكر النبي عليه الصلاة والسّلام في جميع ذلك بلفظ الغيبة ظهر أنه كلام اللّه تعالى وحكاية رسوله إياه، وأنه تعالى أمر رسوله بأن يبلغ هذا الخطاب إليهم. غاية ما في الباب أنه تعالى لم يقل: أطيعوني بل عبر عن ذاته المقدسة بلفظ الغيبة إيماء إلى علة وجوب طاعته عليهم. قوله: (مبالغة في تبكيتهم) علة لقوله: «خاطبهم اللّه به» ووجه المبالغة في التبكيت على تقدير أن يكون اللّه تعالى هو الذي خاطبهم بذلك أن توجه خطاب اللّه إليهم ووروده عليهم ألزم للحكم وأفحم للخصم بالنسبة إلى أن يخاطبهم الرسول بذلك ويوجب عليهم طاعة اللّه تعالى وطاعة نفسه، فإن في مخاطبته تعالى إياهم من دهشة المخاطب وعجزه عن التزام الجواب ما ليس في خطابه عليه السّلام بذلك. قوله: (خطاب للرسول والأمة) سواء كانت الأمة أمة دعوة أو إجابة فتكون كلمة «من» في قوله: مِنْكُمْ للتبعيض، فإن الذين تحقق منهم الإيمان وقت نزول الآية بعض من الأمة مطلقا. وأما إذا كان خطاب «منكم» له عليه الصلاة والسّلام ولمن معه من المؤمنين فحينئذ يكون «من» للبيان لا للتبعيض لأن الموعود لهم هم المخاطبون لا بعض منهم .. قوله:
(بالتقوية والتثبيت) متعلق بقوله: وَلَيُمَكِّنَنَ يعني أن المراد بتمكين الدين تقويته وإظهاره على الأديان كلها لأنه تعالى إذا أعز الإسلام ونصر المسلمين على أعداء الدين وأورثهم أرض الكفرة وديارهم وجعلهم خلفاء أهلها بالتسلط والاستيلاء، لا جرم تصير المسلمون متمكنين