حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 251
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها، والوعد عليها والوعيد على الإعراض عنها. والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كراهته.
فنزلت. وقيل: أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مدلج بن عمر والأنصاري وكان غلاما وقت الظهيرة ليدعو عمر، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن اللّه عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن. ثم انطلق معه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية. وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ والصبيان الذين لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحسبان وعدم دخوله على الجملة الاسمية لا يغير المعنى الأصلي فكان قوله: (لا يحسبن الذين كفروا معاجزين) في قوة أن يقال: الذين كفروا ليسوا معجزين، لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإعجاز. قوله: (والمراد به) أي بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات جميعا وإن كان الظاهر كونه خطابا للرجال فقط. ووجه الاستدلال بما روي على دخول الفريقين في الخطاب بطريق التغليب أن الآية لما نزلت بسبب كراهة الأنثى دخول الغلام عليها بغير استئذان دل ذلك على عموم الخطاب للفريقين جميعا. واعلم أن ظاهر الآية أمر المماليك والأطفال بالاستئذان والمقصود أمر المؤمنين بأن يمنعوا هؤلاء من الدخول عليهم في هذه الأوقات، إذ لو كان المقصود أمر المماليك والأطفال بالذات لما كان لتخصيص النداء والخطاب بالمؤمنين وجه. وأما الوجه في عدم نداء المماليك والأحرار الصغار وخطابهم بالأمر بأن يستأذنوا من الموالي والأولياء الإشارة إلى أنهم لقلة معرفتهم وغلبة الجهل عليهم نازلون عن حيز صلاحية الخطاب وأن السادات والأولياء هم المخاطبون بتعليم من هو في عيالهم وتحت أيديهم والقيام بما يحتاجون إليه في أمر دينهم ودنياهم، والتأديب على ذلك أن نبت نفوسهم عن الامتثال. قوله: (بنت أبي مرثد) روي بالشين المعجمة في نسخ. وروي بالثاء المثلثة. قيل: هذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر رضي اللّه عنه. إذ روي عنه أنه قال: وافقني ربي في ثلاث: في الاستئذان وفي الحجاب حيث قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: 53] وفي الاتخاذ من مقام إبراهيم مصلى. وهذه الآية دلت على أن من لم يبلغ الحلم يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح، فإنه تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات وقال عليه الصلاة والسّلام: «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر» . وقال ابن مسعود: إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته ولا تكتب عليه سيئاته حتى يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمرينا له ليعتاد