حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 258
اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ كرره ثالثا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك. وهذا بما هو المقصود منه فقال: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) أي الحق والخير في الأمور.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون في الإيمان الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ من صميم قلوبهم وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور. ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ «أمر جميع» . لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ يستأذنوا رسول اللّه فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه من المنافق فإن دينه التسلل والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس الرسول عليه السّلام بغير إذنه. ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فإنه يفيد أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا دخل المسجد ولا إنسان فيه يقول: السّلام علينا من ربنا تحية من عند اللّه مباركة طيبة.
وقيل: لا يصل به هذا القول لأنه صفة السّلام. و «تحية» منصوب على أنه مفعول مطلق لمعنى «فسلموا» على طريق قولك: قعدت جلوسا، كأنه قيل: فحيوا تحية. وقوله: «من عند اللّه» يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة تحية أي تحية ثابتة بأمره مشروعة من لدنه وأن يتعلق بنفس «تحية» لأن التحية والتسليم طلب الحياة والسلامة من اللّه للمسلم عليه. ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن ترجى بها من اللّه تعالى الإجابة بزيادة الخير وطلب الكمال والجمال.
قوله: (وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك) أي التبيين وهو قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وفصل هذا بما هو المقصود من التبيين وهو العقل والدراية لأحكام اللّه من الأوامر والنواهي. قوله: (ووصف الأمر بالجمع للمبالغة) في كونه سببا لاجتماع القوم فإن الأمر لكونه مهما عظيم الشأن صار كأنه قد جمع الناس فهو من قبيل إسناد الفعل إلى السبب.
وقرئ «أمر جميع» بمعنى جامع أو مجموع له. قيل: نزلت الآية في حفر الخندق وكان ذلك من أهم الأمور حتى تولى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه وشغل عن أربع صلوات ثمة فيه حتى دخلت في حد القضاء، وكان قوم يتسللون من بينهم بغير إذن. قال المفسرون: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج لحاجته لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي عليه الصلاة والسّلام حتى يراه فيعرف به استئذانه فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: إذن الإمام يوم الجمعة أن يبصر به. قوله: (ولذلك) أي ولكون عدم الاستئذان نقصا في كمال الإيمان حيث جعل بين الإيمانين شرطا ثالثا له أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ، فإن جعل المستأذنين هم المؤمنين عكس الأسلوب الأول وفيه تأكيد للأول باللّه ورسوله