حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 259
المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك. فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ما يعرض لهم من الهام. وفيه أيضا مبالغة وتضييق للأمر. فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ تفويض للأمر إلى رأي الرسول عليه الصلاة والسّلام. واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه عليه الصلاة والسّلام. ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه وكان المعنى: فائذن لمن علمت أن له عذرا. وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ بعد الإذن فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لفرطات العباد رَحِيمٌ (62) بالتيسير عليهم.
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة. وقيل: لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرة ولكن بلقبه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون مصداقا ودليلا على صحة الإيمان وصدقهما. قيل: المراد بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أنه استئذان عمر بن الخطاب في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال:
انطلق فو اللّه ما أنت بمنافق. يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام. قوله: (وفيه) أي في قوله: لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ مبالغة في الاهتمام بشأن الاستئذان كإعادته على الأسلوب الأبلغ حيث لم يطلق الإذن في شأنهم بل قيد بالبعض تغليظا عليهم أمر الذهاب عن مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع القدر المبسوط وماس الحاجة إليه وتعليق الإذن بالمشي مع ذلك العذر. ومرّ أن ذكر الاستغفار للمستأذنين بالإذن دليل على أن الأحسن والأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه حيث احتاجوا في خروجهم عن الجماعة إلى أن يستغفر لهم الرسول وإن كان ذلك الخروج بمشيئته. قوله: (ومن منع ذلك) أي منع تفويض بعض الأحكام إلى رأيه واجتهاده وقال: إنه عليه أفضل الصلاة والسّلام يتبع الوحي في جميع أحكامه. قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدق المستأذن في أزله عذرا شرعيا مرخصا للذين استأذنوا فيه، فحينئذ تكون المشيئة مستندة إلى الشرع الثابت بالوحي فلا تكون مشيئته وإذنه في ذلك بمجرد رأيه. قال المصنف في أصوله: يجوز له عليه الصلاة والسّلام أن يجتهد لعموم فَاعْتَبِرُوا [الحشر: 2] وجوب العمل بالأرجح ولأنه أسبق وأدل على الفطانة فلا يتركه. ومنعه أبو علي وابنه لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3] قلنا: هو مأمور به فليس بهوى. قوله: (ولا تقيسوا دعاءه إياكم) إلى شيء من الأمور فيكون المصدر فيه مضافا إلى فاعله كما في الوجه الثالث والرابع، فإن الداعي في الجميع هو الرسول بخلاف الوجه الثاني فإن المصدر فيه مضاف إلى المفعول. والمعنى: لا تقولوا عند دعائكم