فهرس الكتاب

الصفحة 3586 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 268

وفيه استهانة وتهكم يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لطلب المعاش كما نمشي. فالمعنى: إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا؟ وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات. فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه بقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: 110] لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) لنعلم صدقه بتصديق الملك

أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه. وقرأ حمزة والكسائي بالنون. وَقالَ الظَّالِمُونَ وضع الظالمين موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوه إِنْ تَتَّبِعُونَ ما تتبعون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) سحر فغلب على عقله. وقيل: ذا سحر وهو الرئة أي بشرا لا ملكا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أقصى مراتب الفصاحة والبلاغة، ومن حيث اشتماله على الإخبار عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا علام الغيوب، يستحيل أن يلقيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من تلقاء نفسه، ولو أخذه من أساطير الأولين لما زاد على ما في كتبهم. فظهر أنه من عند من يعلم الغيوب وهو اللّه تعالى وأنه بمعزل عن كونه من أساطير الأولين. ثم إنه تعالى ذكر شبهة أخرى للمشركين فقال: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ. قوله: (وفيه) أي وفي التعبير عنه عليه الصلاة والسّلام بلفظ «هذا» استهانة وتحقيرا له عليه الصلاة والسّلام وفي تسميتهم إياه «رسولا» مع أنهم بصدد إنكار رسالته تهكم به عليه الصلاة والسّلام. ذكروا له عليه الصلاة والسّلام خمس صفات وزعموا أنها تخل بالرسالة زعما منهم أن فضيلة الرسول على غيره تكون بأمور جسمانية وهي غاية الجهالة ونهاية السفاهة. فأجاب اللّه عن هذه الشبهة بوجوه: الوجه الأول قوله: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي أثبتوا لك الأشباه حين زعموا أنك مسحور محتاج متروك ناقص عاجز عن القيام بالأمور ويقولون مرة إنه ساحر ومرة شاعر ومرة مجنون ومرة مسحور ونحو ذلك من الأقوال الشاذة والأحوال النادرة، فضلوا عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي الاختصاص بالكمالات النفسانية والفضائل الروحانية، وإلى الميز بينه وبين المتنبي فإن الميز بينهما يكون بإظهار المعجزة وما ذكروه من الشبهة لا يقدح بشيء في إظهارها فلا يكون شيء منها قادحا في النبوة. كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لما هم بصدده من القدح في نبوتك وإثبات كونك متنبئا. والوجه الثاني من وجوه الجواب عن شبهة المنكرين ما ذكره بقوله: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ أي من الذي ذكروه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت