فهرس الكتاب

الصفحة 3589 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 271

إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة والسّلام: «لا تتراأى ناراهما» أي لا تتقاربا بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز، والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو أقصى ما يمكن أن يرى منه. سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) صوت تغيظ. شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه. هذا وأن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق اللّه فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر. وقيل: إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف.

وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا أي في مكان. ومنها بيان تقدم فصار حالا. ضَيِّقًا لزيادة العذاب،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذا كانت بمرأى منهم) يعني أن السعير سواء كانت بمعنى النار الملتهبة أو جهنم ليست لها عين ولا رؤية ومع ذلك أسندت الرؤية إليها باعتبار كونها مجازا عن المقابلة وكونها بمرأى الناظر، فإن كون الشيء بمقابلة الناظر ومرآه لازم للرؤية إذ لا تمكن الرؤية بدون ذلك فأطلق الملزوم وهو الرؤية وأريد اللازم وهو كون الشيء بحيث يرى، والانتقال من الملزوم إلى اللازم يكون مجازا لا كناية. قال عليه الصلاة والسّلام: «المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما» أي لا تتقاربا ولا تكون إحداهما بمرأى من الأخرى. والمقصود النهي عن تقاربهما ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة. وهذا التوجيه غير لازم على مذهب أصحابنا لأن البنية ليست شرطا في الحياة عندهم، فالنار على ما هي يجوز أن يخلق اللّه فيها الحياة والعقل والرؤية والنطق ويؤيده ما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعده» . قالوا: هل لها عينان؟ قال: «نعم ألا تسمعون قول اللّه تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» قيل. من مسيرة مائة سنة. بخلاف المعتزلة فإنهم شرطوا البنية في الحياة فلا يجوز كون السعير ذات عينين عندهم. فقوله تعالى في صفة السعير: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا لا يمكن إجراؤه على الظاهر عندهم بل يمكن ذلك عندنا إذ لا امتناع من أن تكون النار حية مغتاظة على الكفار. وأما المعتزلة فإنهم لما شرطوا البنية في الحياة فلا يجوز كون السعير ذات حياة عندهم احتاجوا إلى التأويل، قال الجبائي: إن اللّه تبارك وتعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] أي أهلها. قوله: (صوت تغيظ) لما كان التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعا ذكر في توجيه الكلام أن نفس التغيظ وإن لم يسمع إلا أنه يسمع ما يدل عليه من الصوت كما يقال: أما رأيت غضب الملك على فلان إذا رأى ما يدل عليه، فكذا ههنا. والمعنى: سمعوا لها صوتا يشبه صوت التغيظ.

قوله: (في مكان) يعني أن «مكانا» منصوب على الظرفية و «منها» في محل النصب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت