حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 313
وَلا يَزْنُونَ نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة بأضداده، ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (68) جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء. وقرئ «أياما» أي شدائد يقال: يوم ذو أيام أي صعب.
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بدل من يلق لأنه في معناه كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرء المسلم وهو: الردة بعد الإيمان والزنى بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة من غير أن يطرأ عليها ما يوجب قتلها، فإن الأضل في النفوس البشرية العصمة وحرمة القتل وحقن الدماء وجواز القتل إنما يثبت بعارض، فمن يحل قتله بسبب العارض يدخل في النفس التي حرم اللّه قتلها نظرا إلى حد نفسها. قوله: (نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات الخ) كأنه جواب عما يقال: ما الفائدة في نفي هذه القبائح؟ فإن الموصوف بالخصال المرضية السابقة يبعد منهم ارتكاب هذه القبائح فلا وجه لنفيها عنهم، لأنه إنما يحسن نفي صفة عن أحد إذا كانت الصفة المنفية مما يتوهم ثبوتها له. وتقرير الجواب أن الاتصاف بالخصال السابقة لا يستلزم الاجتناب عن هذه القبائح فإن الموصوف بتلك الصفات قد يتدين بالشرك ويقتل النفس بغير حق ويتلبس بالزنى، فبيّن اللّه تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يجتنب الكبائر أيضا إلا أنه خص من الكبائر أمهاتها وأشعر بذلك أن الأجر المذكور بقوله: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا [الفرقان: 75] الآية موعود للجامعين بين التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل. وفي هذا النفي أيضا تعريض بما كان عليه الكفار كأنه قيل: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر وأنتم تدعون، ولا يقتلون نفسا بغير حق وأنتم تقتلون، ولا يزنون وأنتم تزنون ويحسن النفي تعريضا وإن لم يكن المنفي عنه مظنة لثبوت المنفي له. روي عن ابن عباس أنه قال: إن أناسا من أهل الشرك قتلوا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة. فنزلت. قوله: (جزاء إثم أو إثما) يعني أن الآثام عبارة عن عقوبة الإثم وجزائه وقد يطلق على نفس الإثم. فإن كان المراد به في الآية نفس الإثم فلا بد من تقدير المضاف لأن الآثم لا يلقى نفس إثمه بل يلقى جزاءه. قال ابن مسلم: الآثام والإثم واحد والمراد ههنا جزاء الإثم، فأطلق اسم الشيء على جزائه. وقيل:
الآثام اسم من أسماء جهنم. وقيل: اسم واد في جهنم وقيل: بئر فيها. قوله تعالى:
(يُضاعَفْ) مجزوم في قراءة العامة على أنه بدل من الجزاء كما أن قوله: تلمم بنا بدل من الشرط في البيت أبدل تلمم من قوله تأتنا، لأن الإلمام وإن كان بمعنى النزول إلا أنه في