حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 315
وَمَنْ تابَ عن المعاصي بتركها والندم عليها وَعَمِلَ صالِحًا يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة فأنه فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ يرجع إلى اللّه بذلك مَتابًا (71) مرضيا عند اللّه ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو يتوب متابا إلى اللّه الذي يحب التائبين ويصطنع بهم، أو فإنه يرجع إلى اللّه وإلى ثوابه مرجعا حسنا.
وهذا تعميم بعد تخصيص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم» كأنهم لم يعملوا في الدنيا سوى الطاعة. والوجه الثاني أن يكون التبديل في الدنيا بأن يبدل اللّه قبائح أعمالهم الواقعة في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدل اللّه لهم بالشرك إيمانا وبقتل المسلمين قتل المشركين وبالزنى عفة وإحصانا، فكأنه تعالى يبشرهم بأن يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبون بها الثواب. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان مشركو مكة قالوا قبل نزول قوله: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا باللّه وقتلنا النفس التي حرم اللّه وأتينا الفواحش. فنزلت هذه الآية بمكة. وعنه قال: قرأنا على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آيتين وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ [الفرقان: 68] إلى قوله: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا [الفرقان: 69] ثم نزلت الآية إِلَّا مَنْ تابَ فما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرح بشيء فرحه بها وإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: 1] ولما توهم اتحاد الشرط والجزاء في قوله: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فإنه يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا لأنه في قوة أن يقال: من تاب وصلى فإنه يصلي صلاة. وليس في مثله فائدة ظاهرة. أشار المصنف إلى توجيه الكلام بوجوه حاصلها: أن الجزاء فيه معنى زائد على ما في الشرط وذلك المعنى مستفاد إما من قوله: «متابا» وتنكيره بعد تقييد ناصبه بكونه رجوعا إلى اللّه عز وجل، فإن الشرط هو التوبة بمعنى الرجوع عن المعاصي بتركها والندم عليها إلى الطاعة بأن يتدارك بها ما فرط. أو بمعنى مجرد ترك المعاصي والدخول في الطاعة والجزاء هو الرجوع إلى اللّه تقدس وتعالى علوا كبيرا رجوعا مرضيا عند اللّه مترتبا عليه محو الخطيئات وعقوباتها ورفع الدرجات وأنواع الكرامات. أو مستفاد من لفظ الجلالة في قوله: «فإنه يتوب إلى اللّه متابا» فاللّه تعالى لما كان موصوفا ومعروفا بأنه يعرف التائبين ويحبهم ويفعل بهم ما يستوجبون كان قوله تعالى: يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ في قوة أن يقال: يتوب إلى من يعرف حق التائبين ويحسن إليهم ويتفضل عليهم، فكأنه قيل: من تاب من المعاصي وعاد إلى الطاعة في الدنيا فإن تلك التوبة منه في الحقيقة توبة إلى اللّه تعالى. أو مستفاد من لفظ المضارع بأن يراد بقوله: يتوب الرجوع إلى ثوابه في الآخرة بخلاف الوجهين الأولين، إذ ليس المراد به فيهما الرجوع في الآخرة بل المعنى فيهما أن ما أتى به من التوبة في الدنيا فهو التوبة إلى اللّه تعالى. قوله: (وهذا تعميم بعد تخصيص) يعني