حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 325
أَلا يَتَّقُونَ (11) استئناف اتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجيبا له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه. وقرئ بالتاء على الالتفات إليهم زجرا لهم وغضبا عليهم. وهم وإن كانوا غيبا حينئذ أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم، واستماعه مبدأ استماعهم مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده. وقرئ بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الإضافة ويحتمل أن يكون بمعنى: ألا يا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن موسى كان مبعوثا إلى فرعون وقومه من الرؤساء والأتباع إلا أنه لم يذكر في بعض الآيات قومه حيث قال: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [طه: 43] ولم يذكر في بعضها الأتباع حيث قال: إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ [الأعراف: 103] وآيات أخرى. والملأ هم الرؤساء دون الأتباع لأن المتبوع ورؤساء القوم لما كانوا أصلا أتبعهم الأتباع في الإيمان، كان ذكرهم يغني عن ذكر الأتباع فلذلك اقتصر تارة على ذكر فرعون وتارة على ذكره وذكر رؤساء قومه. واقتصر في هذه الآية على ذكر قومه من الرؤساء والأتباع للعلم بأن نفس فرعون كان أولى بذلك.
قوله: (ألا يتقون استئناف) لا محل له من الإعراب وهو متعين على قراءة «يتقون» بياء الغيبة.
وأما على القراءة بتاء الخطاب فإنه يحتمل أن يكون التقدير: ائت القوم الظالمين وقل لهم:
ألا تتقون بإضمار القول فلا التفات حينئذ، وإنما يكون التفاتا على تقدير كونه استئنافا.
وطريق الالتفات أنه تعالى بصدد الشكاية من قوم فرعون وظلمهم لنبيه موسى، فلما اشتد غضبه عليهم قطع بث الشكوى إلى موسى وأقبل عليهم يوبخهم بالعنف والغلظة وقال لهم:
أَلا يَتَّقُونَ. ولما ورد: كيف يصح الالتفات إليهم وهم غيب والالتفات إلى الجاني إنما يصح إذا كان الجاني حاضرا في مجلس الشكاية وهم ليسوا حاضرين في مجلس خطابه تعالى مع موسى في وقت المناجاة؟ أجاب عنه بقوله: «وهم وإن كانوا غيبا حينئذ» أي حين مخاطبة اللّه موسى عليه الصلاة والسّلام. وتقرير الجواب: أنهم وإن كانوا غيبا إلا أنهم حينئذ أجروا مجرى الحاضر. وكلام الشخص الذي أرسل إليهم من حيث إن ذلك الشخص لما كان مبلغ ذلك الكلام إليهم وكان استماعه مبدأ استماعهم، كان حضور ذلك الشخص مع المتكلم بمنزلة حضورهم معه ولذلك صح الالتفات إليهم في كلام ذلك الشخص، وإن كانوا غيبا في نفس الأمر وقت المكالمة معه مع أن في الالتفات إليهم بهذا الطريق مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده، لأنه لما وبخ الغائب على ترك التقوى وحث عليه مع عدم استماعه كلام الموبخ بالذات فالحاضر المتدبر يكون له أوفر حظ من الحث عليه. قوله: (اكتفاء بها عن ياء الإضافة) فإن أصله على قراءة الكسر «ألا يتقونني» فحذفت إحدى النونين تخفيفا واكتفى بكسر النون عن ياء المتكلم فصار «ألا يتقون» . ويحتمل أن تكون قراءة الكسر مبنية على أن يكون أصل الكلام: ألا يا ناس اتقوني، بأن تكون الياء في «يتقون» حرف النداء وأن