حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 326
ناس اتقون كقوله: (ألا يا اسجدوا)
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة خوف التكذيب وضيق القلب انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى يعتريه حبسته حتى لا تختل دعوته ولا تتبر حجته. وليس ذلك تعللا منه وتوقفا في تلقي الأمر بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذر فيه. وقرأ يعقوب و «يضيق» و «لا ينطلق» بالنصب عطفا عل ى «يكذبوا» فيكونان من جملة ما خاف منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون المنادى محذوفا كما في قوله: (ألا يا اسجدوا) فإن أصله ألا يا هؤلاء اسجدوا، ويكون اتقون أمرا حاضرا حذف منه ياء المتكلم اكتفاء بالكسر وتكون النون فيه نون الوقاية، ويكون ارتباط الكلام بما قبله على هذا الوجه بتقدير القول أي إن رأيت القوم الظالمين قل لهم: ألا يا ناس اتقون، فإن قلت: هذا التوجيه لا يساعده خط المصحف. فالجواب أن خط المصحف سنة متبعة غير منوطة بالقياس.
قوله: (رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة) مبني على أن يكون قوله: يَضِيقُ وَلا يَنْطَلِقُ مرفوعين بعطفهما على خبر «أن» وهو أخاف لأنهما إذا كانا منصوبين عطفا على أن يكذبون يكون استدعاء الضم مرتبا على علة واحدة وهي الخوف من الأمور الثلاثة، فإن المعنى حينئذ: أخاف أن يكذبون وأخاف أن يضيق صدري وأخاف أن لا ينطلق لساني. وعلى قراءة الرفع يكون كل واحد من الأمور الثلاثة علة مستقلة لاستدعاء الضم. غاية ما في الباب أن يكون بعضها مرتبا على البعض في الوجود لأن حاصل الكلام حينئذ: أنه لو لم يشرك به هارون في الأمر لاختلفت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه الصلاة والسّلام وذلك من وجهين: الأول أن فرعون ربما كذبه والتكذيب سبب لضيق القلب لتعسر الكلام على من يكون في لسانه حبسة، لأنه عند ضيق القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة في اللسان. فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب وضيق القلب سبب للحبسة.
فلهذا بدأ عليه الصلاة والسّلام بخوف التكذيب ثم ثنى بضيق الصدر ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان ثم قال: وهارون أفصح لسانا مني، وليس في حقه هذا المعنى فكان ضمه إلي وإرساله معي لائقا. والثاني أن لي عندهم ذنبا فأخاف أن يبادروا إلى قتلي وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة وأما هارون فليس كذلك، فيحصل المقصود من البعثة بضمه «إلى» .
قوله: (وليس ذلك تعللا منه) جواب عما يقال: كيف ساغ لموسى عليه الصلاة والسّلام أن