حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 365
الإنذار وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) كما زعم المشركون أنه من قبيل ما تلقى الشياطين على الكهنة.
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يصح لهم أن يتنزلوا به. وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) وما يقدرون إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ (212) لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات، وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك. والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة.
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) تهييج لازدياد الإخلاص ولطف لسائر المكلفين.
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهم. روي أنه لما نزلت صعد الصفا وناداهم فخذا فخذا حتى اجتمعوا إليه فقال: لو أخبرتكم أن يسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط. و «من» للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره، أو للتبعيض على أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: يذكرون تذكرة. ويجوز أن يكون مفعول فعل محذوف من لفظه أي يذكرون ذكرى وذلك المحذوف صفة «لمنذرون» . ثم إنه تعالى بعدما وصف القرآن بأنه تنزيل رب العالمين ونبه به على إعجازه وعلى نبوة نبيه رد قول من زعم من الكفار إنه من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة فقال: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. قوله: (في صفات الذات) أي في الصفات اللازمة لذوات الملائكة مثل كونهم أجساما نورانية خيرة طائعة للّه تعالى طاهرة عن دنس الذنوب والمعاصي مسبحين الليل والنهار لا يفترون. واعلم أن أهل السنة والجماعة قالوا: صفات اللّه كلها صفات بالذات على معنى أنها قديمة قائمة بذات اللّه، لكن المعتزلة قسموا صفات اللّه إلى صفات الذات وصفات الأفعال وقالوا: كل ما يصح أن يثبت وينفي فهو من صفات الفعل كالخلق والترزيق والإماتة والإحياء، وما ليس كذلك كان من صفات الذات كالعلم والقدرة والحياة، وقالوا: صفات الأفعال حادثة غير قائمة بذات اللّه تعالى بخلاف صفات الذات. قوله: (ولطف لسائر المكلفين) فإن أكرم خلق اللّه تعالى عليه الصلاة والسّلام لما خوطب بأنك لو اتخذت من دوني إلها لعذبتك مع أنك أكرم الخلائق عندي، كان زجرا بليغا عن الشرك لكل من سمعه من المكلفين بعد تهييج عزيمته على ازدياد الإخلاص. قوله: (مستعار من خفض الطائر جناحه) شبّه التواضع ولين الأطراف والجوانب عند مصاحبة الأقارب والأجانب يخفض الطائر جناحه عند إرادة الانحطاط، فأطلق على المشبه اسم الخفض على سبيل الاستعارة التصريحية ثم اشتق منه قوله: وَاخْفِضْ جَناحَكَ. قوله: (ومن للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره) فإن قيل: «من»